الثانية: أجمع العلماء على أن للرجل قبل حلول الحول التصرف في ماله بالبيع والهبة إذا لم ينو الفرار من الصدقة ؛ وأجمعوا على أنه إذا حال الحول وأظل الساعي أنه لا يحل له التحيل ولا النقصان ، ولا أن يفرّق بين مجتمع ، ولا أن يجمع بين متفرّق.
وقال مالك: إذا فوّت من ماله شيئاً ينوي به الفرار من الزكاة قبل الحول بشهر أو نحوه لزمته الزكاة عند الحول ، أخذاً منه بقوله عليه السلام:"خشية الصدقة"وقال أبو حنيفة: إن نوى بتفريقه الفرار من الزكاة قبل الحول بيوم لا يضرّه ؛ لأن الزكاة لا تلزم إلا بتمام الحول ، ولا يتوجه إليه معنى قوله:"خَشْيةَ الصَّدَقة"إلا حينئذ.
قال ابن العربي: سمعت أبا بكر محمد بن الوليد الفِهْري وغيره يقول: كان شيخنا قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن علي الدّامَغَانيِ صاحب عشرات آلاف (دينار) من المال ، فكان إذا جاء رأس الحول دعا بنيه فقال لهم: كبِرَت سِنّي ، وضعفت قوّتي ، وهذا مال لا أحتاجه فهو لكم ، ثم يخرجه فيحمله الرجال على أعناقهم إلى دورِ بنيه ؛ فإذا جاء رأس الحول ودعا بنيه لأمر قالوا: يا أبانا إنما أملنا حياتك ، وأما المال فأيّ رغبة لنا فيه ما دمت حيا ؛ أنت ومالك لنا ، فخذه إليك ، ويسير الرجال به حتى يضعوه بين يديه ، فيرده إلى موضعه ؛ يريد بتبديل الملك إسقاط الزكاة على رأي أبي حنيفة في التفريق بين المجتمع ، والجمع بين المتفرّق ؛ وهذا خطب عظيم وقد صنف البخاريّ رضي الله عنه في جامعه كتاباً مقصوداً فقال:"كتاب الحِيل".
قلت: وترجم فيه أبواباً منها:"باب الزكاة وألاّ يفرّق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرّق خشية الصدقة".
وأدخل فيه حديث أنس بن مالك ، وأن أبا بكر كتب له فريضة الصدقة ؛ وحديث طلحة بن عبيد الله أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس.