شيء واحد هو أمها، وهي الأرض، ولذلك قدم الإنعام بالزرع والثمار لعلم الخاصة والعامة بما فيها من قرب النفع وامتساك الخلق، ثم عقب ذلك بما هو أصله من الهواء، وماء السماء والكواكب التي جعلها قواما لتربية ما به ثبات البرية، فلما صرف العقول إلى ما نصب من الأمارات في أصناف ما بثه في البر أتبعه بما سخر له من البحر.
مسألة ثانية في هذه الآيات فإن قال قائل: فلم قال في الأولى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} وقال في الثانية: {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} وفي الثالثة: {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} .
الجواب: أن التفكر أعمال النظر لتطلب فائدة، وهذه المخلوقات التي تنجم من الأرض إذا فكر فيها علم أن معظمها ليس إلا للأكل، وإن الأكل به قوام ذي الروح، وإن المنعم عليه يحتاج أن يعرف المنعم به ليقصده بشكر إحسانه، فهذا موضع تفكر بعث الناس عليه ليفضي بهم إلى المطلوب منهم، وأما تعقيب ذكر الليل والنهار وما سخر في الهواء من الأنواء بقوله: {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} فلأن متدبر ذلك أعلى رتبة من متدبر ما تقدم إذ كانت المنافع المجعولة فيها أخفى وأغمض، فمن استدرك الآيات فيها استحق الوصف بما هو أعلى من رتبة المتفكر المتدبر لأنه المنزلة الثانية التي تؤدي إليها الفكرة، وهو أن يعقل مطلوبه منها ويدرك فائدته منها وأما الآية الثالثة وهي: {لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ}