فلأنه لما نبه في الأوليين على إثبات الصانع نبه في الثالثة على أنه لا شبه له مما صنع لأن من رأى المخلوقات أصنافا مزدوجة مؤتلفة أو مختلفة نفى عنه صفاتها، وعلم أن خالقها يخالفها، لا يشبهها ولا تشبهه، وقال في سورة ق: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} أي: فعلنا ذلك لنبصركم ولنريكم آياتنا ولنذكركم بازدواجها مخالفة صانعها كما قال: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} فيعلم بعد العلم بما تقدم أنه لا صاحبة له ولا ولد ولا شبه له فيما أنشأ وبرأ إذا تذكر حاله فيما اتفق فيه واختلف.
الآية الثانية من سورة النحل
قوله تعالى:
{وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} وقال في سورة الملائكة: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .
للسائل أن يسأل: فيقول: أية فائدة خصت في الآية الأولى أن تقدم فيها:
{مَوَاخِرَ} على قوله: {فِيهِ} وأن تدخل فيه الواو على: {وَلِتَبْتَغُوا} وأية فائدة خصت في الآية الثانية من سورة الملائكة أن يقدم فيها قوله: {فِيهِ} على:
{مَوَاخِرَ} ، وأن تحذف الواو من قوله: {لِتَبْتَغُوا} .