من حيث لا يشعر، وأخذه من أين لم يحتسب، فشبه الله بنية هذا الكافر هذا البناء
وأخذه إياه هذا الأخذ بما ضربه مثلاً له.
ووجه آخر: وهو أنه قد خسف بكثير من العتاة، لتكبرهم كقوم لوط وقارون،
وقد أغرق فرعون وجنوده في البحر، فكان أخذه لها وإتيانه إياهم بالعذاب من
تحت أرجلهم، وقوض عليهم ما بنوا لهم يتحصنون به وأحاط بهم من بناء، وأقبل
سقوفهم عليهم.
وقرأها الضحاك:"فأتى الله بيوتهم من القواعد"يريد والله أعلم: بما بنوه
لأنفسهم من مكر في قلوبهم من رتب ومنازل مرفعة عن إقدار من سواهم، ومطالبة
وإرصاد لهم وتربص، وإرادة الإيقاع بهم ونحو هذا.
والخطاب منتظم بذكر المستكبرين في قوله: (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ(22) .
أتبع ذلك قوله عز من قائل: (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ) كقوله:
(وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ) إلى قوله: (قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ) الذين أوتوا العلم هنا هم الذين وقفوا بحقيقة إيمانهم على تحقيق الوعد والوعيد، كما قال:(وَيَوْمَ تَقُومُ
السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا)أي: في الدنيا (يُؤْفَكُونَ)
أي: عن الإيمان بالحق.
ثم قال وقوله الحق: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(56) .
ومثله في القرآن كثير. انتهى انتهى {تفسير ابن برجان. 3/ 299 - 301} ...