فإن قال قائل: فكيف استثنى مع ذكر الملائكة، فقال (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) فكيف وقع الاستثناء وليس هو من الأول؟
فالجواب في هذا أنه أُمر مَعَهُمْ بالسجود فاستثنى من أنه لَمْ يَسْجُد، والدليل على ذلك أنك تقول:
أمرت عَبْدِي وأخوتي فأطاعوني إلا عبدي، وكذلك قوله عزَّ وجلَّ: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ) ، ورب العالمين ليس كمثله شيء، وقد جرى ذكره في الاستثناء - وهو استثناء ليس من الأول.
ولا يقدر أحد أن يعرف معنى الكلام غيرَ هذا.
(وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا(54)
معناه كان الكافِرُ، ويدل عليه قوله: (وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ) .
فإن قال قائل: وهل يجادل غيرُ الإنسان؟
فالجواب في ذلك أن إبليس قد جادل، وأن كل ما يعقل من الملائكةِ والجِنِّ يجادل، وَلَكِن الإنسانَ أكثر هذه الأشياء جَدَلاً.
(فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا(61)
ومعنى (نسيا حوتهما) كان النسيان مِنْ يُوشَع أن [[تقدمه] ]، وكان النسيانُ من موسى أن يأمره فيه بشيء.
(فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا(65)
وفيما فعله موسى - وهو من جلَّةِ الأنبياء، وقد أوتيَ التوراةَ، من طلبه العلم والرحلة في ذلك ما يدل على أنه لا ينبغي لأحَدٍ أن يترك طلب العلم.
وإن كان قد بلغ نهايته وأحاط بأكثر ما يدركه أهل زمانه، وأنْ يتواضع لمن هو أعلم منه.
(وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا(80)