(فصل آخر: من روائع الأدب العربي)
(ذمّ المراء في المناظرة)
قال الراغب الأصفهاني:
روي في الحديث من تعلّم العلم لأربعة دخل النار ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء، أو يأخذ به من الأمراء، أو يستميل به وجوه الناس إليه.
قال ابن عباس لمعاوية (رضي الله عنهما) : هل لك في مناظرتي في ما زعمت؟ قال:
وما تصنع بذلك؟ فأشغب بك وتشغب بي فيبقى في قلبك ما لا ينفعك ويبقى في قلبي ما يضرّك.
وقيل: الناس رجلان: عالم فلا تماره، وجاهل فلا تجاره.
وقال زيد بن جندب:
ما كان أغنى رجالا ضلّ سعيهم ... عن الجدال وأعناهم عن الشّغب
وقيل: إذا تشاجرت الخصوم طاشت الحلوم ونسيت العلوم.
وقيل: من ترك المراء فهم وعلم. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما ضلّ قوم بعد إذ هداهم الله إلا بالجدل، وقال سفيان: ما ابتدع قوم إلا أعطوا الجدل.
الحثّ على السؤال على غير التعنت
قيل: إذا جالست عالما فسل تفقّها لا تعنّتا.
وقال مسهر: سألت مالكا عن شيء، فقال: لا تسألني عمّا لا تريد فتنسى ما تريد.
وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لرجل وقد أكثر من سؤاله تعنتا: اتركوني ما تركتكم. وقال عليه الصلاة والسلام: إن بني إسرائيل هلكوا بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم.
النّهي عن المناظرة ما أمكن
قال ابن المقفع: لا تعرضنّ عقلك على النّاس، فإذا اضطرك أمر فكن كصاحب الشطرنج، بيني أمره على القائمة فإن وجد ضربة غريبة انتهزها، وإيّاك أن تبتدئ في مجلس لم تسبر عقول أصحابه، فبين العقول بون بعيد.
ذمّ الجلبة وخوض الكلّ في الكلام
قيل: لا يميل إلى الجلبة واللّجاج إلا من عجز عن الغلبة بالحجاج.
وقال المأمون لهاشمي حضر مجلسه فناظره وشغب:
لا ترفعنّ صوتك يا عبد الصمت ... إنّ الصواب في الأسدّ لا الأشدّ
وقال عمر بن عبد العزيز لرجل كان يكثر الصياح والجلبة: اخفض الصوت فلو نيل خير برفع الصوت لأدركه الحمير والكلاب.
وكان أحمد بن الخصيب إذا ناظر شغب وجلب، وربّما رفس من يناظره، فقال فيه بعض المحدثين، يخاطب الخليفة المنتصر:
قل للخليفة يا ابن عمّ محمّد ... أشكل وزيرك إنّه ركّال
قد نال من أعراضنا بلسانه ... ولرجله عند الصّدور مجال
وهذا يقارب ما روي أنّه شكا إلى المأمون من بعض قضاته، أنه يعضّ الخصوم، فوقّع ليشنق.
وأنشد الأصمعيّ:
حديث بني قرط إذا ما لقيتهم ... كنز والدّبا في العرفج المتقارب
وقال مسلم بن عبّاس:
كأنّ بني رالان إذ جاء جمعهم ... فراريج يلقى بينهنّ سويق