16 - {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا} :
كان قوم الفتية يعبدون مع الله آلهة شتى، فاعتزلت الفتية عبادة تلك الآلهة ولم تعتزل عبادة الله تعالى، فقال بعضهم لبعض: وإِذ فارقتم القوم بقلوبكم وبدينكم، ففارقوهم أَيضا بأبدانكم، فالجئوا إِلى الكهف لعبادة ربكم مخلصين له الدين، يبسط عليكم رحمة من عنده يستركم بها في الدارين، ويسهل لكم من أَمركم ما تنتفعون به في حياتكم، قالوا ذلك ثقةً بفضل الله تعالى، وقوةً في رجائه، لتوكلهم عليه سبحانه {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} . ثم أتبعوا مقالتهم الحكيمة، تنفيذ عزيمتهم الصادقة، فأووا إِلى كهفهم، في حراسة ربهم وكفالته، لم يرهم أَحد من قومهم، وقد جدوا في طلبهم!
قال الحافظ ابن كثير: وعمَّى الله خبرهم، كما فعل بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق رضي الله عنه، حين لجأ إلى غار ثور، وجاء المشركون من قريش في الطلب فلم يهتدوا إِليه، مع أَنهم يمرون عليه! وعندها قال النبي صلى الله عليه وسلم
لما رأى جَزع الصديق في قوله يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إِلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال: يا أبا بكر ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما؟! وقد قال تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} . قال ابن كثير: فقصة هذا الغار (أي غار ثور) أَشرف وأجَل، وأَعظم وأَعجب، من قصة أَصحاب الكهف!!