قوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ المرسلين إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} الآية.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه ما يرسل الرسل إلا مبشرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين من عصاهم بالنار. وكرر هذا المهنى في مواضع أخر، كقوله: {وَمَا نُرْسِلُ المرسلين إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأنعام: 84] . وقد أوضحنا معنى البشارة والإنذار في أول هذه السورة الكريمة في الكلام على قوله تعالى {لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ} [الكهف: 2] الآية، وانتصاب قوله"مبشرين"على الحال، اس ما نرسلهم إلا في حال كونهم مبشرين ومنذرين.
قوله تعالى: {وَيُجَادِلُ الذين كَفَرُواْ بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق} الآية.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الذين كفروا يجادلون بالباطل، أي يخاصمون الرسل بالباطل، كقولهم في الرسل: ساحر، شاعر، كاهن. وكقولهم في القرآن: أساطير الأولين، سحر، شعر، كهانة. وكسؤالهم عن أصحاب الكهف، وذي القرنين. وسؤالهم عن الروح عناداً وتعنتاً، ليبطلوا الحق بجدالهم وخصامهم بالباطل، فلاجدال: المخاصة. ومفعول"يجادل"محذوف دل ما قبله عليه، لأن قوله {وَمَا نُرْسِلُ المرسلين} [الكهف: 56] يدل على أن الذين يجادلهم الكفار بالباطل هم المرسلون المذكورون آنفاً، وحذف الفضلة إذا دل المقام عليها جائز، واقع كثيراً في القرآن وفي كلام العرب: كما عقده في الخلاصة بقوله:
وحذف فضلة أجز إن لم يضر ... كحذف ما سيق جواباً أو حصر
والباطل: ضد الحق وكل شيء زائل مضمحل تسميه العرب: باطلاً، ومنه قول لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعم لا محالة زائل
ويجم اباطل كثيراً على أباطيل على غير القياس، فيدخل في قول ابن مالك في الخلاصة: