(أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا(79)
أي: أجعله، معيبة.
وقوله: (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ) :
ذكر في بعض الحروف: (وكان أمامهم ملك) .
(يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) .
فعلى ذلك التأويل فيه (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا) ، أي: أجعلها معيبة، لئلا يأخذها ذلك الملك غصبا؛ إذ كان لا يأخذ إلا سفينة صالحة صحيحة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا(80)
اختلف في سن ذلك الغلام:
قَالَ بَعْضُهُمْ: كان ذلك الغلام كبيرًا بالغًا، والعرب قد تسمي الرجل البالغ الذي لم يلتح بعد - أولم تستو لحيته - غلامًا؛ لقربه بوقت البلوغ، ولذلك قال له موسى: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ) ، والصغير مما لا يقتل إذا قتل نفسا بغير حق؛ فلو كان صغيرًا لم يكن لقول موسى: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ) معنى، وهو كما روي عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حيث قال:"إنَّ أَيْمَانَكُم تحقنُ دِماءكم"إذا ظهر منهم الدَّم وكقوله:"لولا الأَيْمَانُ لَكَان لي وَلَهَا شَأنٌ"إذا ظهر منها الزنا، فعلى ذلك قوله: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ) : لو كانت محتملة القتل بالنفس، واللَّه أعلم.
ثم اختلف في سبب قتل ذلك الغلام:
قَالَ بَعْضُهُمْ: قتله؛ لكفره، كان كافرا، وكذلك في حرف أبي بن كعب: (وأمَّا الغلام فكان كافرًا) ؛ ألا ترى أنه قال: (فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا) : دل هذا أته كان بالغًا كافرًا؛ إذ لو لم يكن كافرًا لم يلحق والديه منه الطغيان والكفر.