قوله تعالى: {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ}
قيل: الضمير عائد على إبليس وذريته؛ أي لم أشاورهم في خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم، بل خلقتهم على ما أردت.
وقيل: ما أشهدت إبليس وذريته خلق السماوات والأرض"ولا خلق أنفسهم"أي أنفس المشركين فكيف اتخذوهم أولياء من دوني؟.
وقيل: الكناية في قوله:"مَا أَشْهَدْتُهُمْ"ترجع إلى المشركين، وإلى الناس بالجملة، فتتضمن الآية الرد على طوائف من المنجّمين وأهل الطبائع والمتحكمين من الأطباء وسواهم من كل من يتخوّض في هذه الأشياء.
وقال ابن عطية: وسمعت أبي رضي الله عنه يقول: سمعت الفقيه أبا عبد الله محمد بن معاذ المهدويّ بالمهدية يقول: سمعت عبد الحق الصقليّ يقول هذا القول، ويتأوّل هذا التأويل في هذه الآية، وأنها رادة على هذه الطوائف، وذكر هذا بعض الأصوليين.
قال ابن عطية وأقول: إن الغرض المقصود أولاً بالآية هم إبليس وذريته؛ وبهذا الوجه يتجه الرد على الطوائف المذكورة، وعلى الكهان والعرب والمعظمين للجن؛ حين يقولون: أعوذ بعزيز هذا الوادي؛ إذ الجميع من هذه الفرق متعلقون بإبليس وذريته وهم أضلوا الجميع، فهم المراد الأوّل بالمضلّين؛ وتندرج هذه الطوائف في معناهم.
قال الثعلبي: وقال بعض أهل العلم"مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ"ردّ على المنجّمين أن قالوا: إنّ الأفلاك تُحدث في الأرض وفي بعضها في بعض، وقوله:"والأرضِ"ردّ على أصحاب الهندسة حيث قالوا: إن الأرض كريّة والأفلاك تجري تحتها، والناس ملصَقون عليها وتحتها، وقوله:"ولا خلق أنفسهم"ردّ على الطبائعيين حيث زعموا أن الطبائع هي الفاعلة في النفوس.
وقرأ أبو جعفر"ما أشهدناهم"بالنون والألف على التعظيم.
الباقون بالتاء بدليل قوله:"وما كنت متخذ"يعني ما استعنتهم على خلق السماوات والأرض ولا شاورتهم.