الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ... (19) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَمَا أَرْقَدْنَا هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةَ فِي الْكَهْفِ، فَحَفِظْنَاهُمْ مِنْ وُصُولِ وَاصِلٍ إِلَيْهِمْ، وَعَيْنِ نَاظِرٍ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِمْ، وَحَفِظْنَا أَجْسَامَهُمْ مِنَ الْبَلَاءِ عَلَى طُولِ الزَّمَانِ، وَثِيَابَهُمْ مِنَ الْعَفَنِ عَلَى مَرِّ الْأَيَّامِ بِقُدْرَتِنَا، فَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ مِنْ رَقْدَتِهِمْ، وَأَيْقَظْنَاهُمْ مِنْ نَوْمِهِمْ، لِنُعَرِّفَهُمْ عَظِيمَ سُلْطَانِنَا، وَعَجِيبَ فِعْلِنَا فِي خَلْقِنَا، وَلْيَزْدَادُوا بَصِيرَةً فِي أَمْرِهِمُ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنْ بَرَاءَتِهِمْ مِنْ عِبَادَةِ الْآلِهَةِ، وَإِخْلَاصِهِمْ لِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِذَا تَبَيَّنُوا طُولَ الزَّمَانِ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ بِهَيْئَتِهِمْ حِينَ رَقَدُوا
وَقَوْلُهُ: {لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ}
يَقُولُ: لِيَسْأَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ}
يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: فَتَسَاءَلُوا فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لِأَصْحَابِهِ: {كَمْ لَبِثْتُمْ} وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اسْتَنْكَرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ طُولَ رَقْدَتِهِمْ {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}
يَقُولُ: فَأَجَابَهُ الْآخَرُونَ فَقَالُوا: لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ. ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ، فَقَالَ الْآخَرُونَ: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} فَسَلَّمُوا الْعِلْمَ إِلَى اللَّهِ
وَقَوْلُهُ: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بَوِرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ}
يَعْنِي مَدِينَتَهُمُ الَّتِي خَرَجُوا مِنْهَا هِرَابًا، الَّتِي تُسَمَّى أفسوس {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} ذُكِرَ أَنَّهُمْ هَبُّوا مِنْ رَقْدَتِهِمْ جِيَاعًا، فَلِذَلِكَ طَلَبُوا الطَّعَامَ.