بسم الله الرحمن الرحيم
أطال الله بقاءك، وجعلني من كل سوء فداءك، وأسعدك بطاعته وتولاّك بكرامته، ووالى إليك مزيده.
إنه يقال - أكرمك الله -"إن السَّعيد من وُعظ بغيره، وأن الحكيم من أحكمتْه تجاربه". وقد قيل:"كفاك أدباً لنفسك ما كرهت من غيرك"وقيل:"كفاك من سوءٍ سماعه"، وقيل:"إنَّ يقظة الفهم للواعظ ممَّا يدعو النَّفس إلى الحذر من الخطاء، والعقل إلى تصفيته من القذى".
وكانت الملوك إذا أتت ما يجلُّ عن المعاتبة عليه ضُربت لها الأمثال، وعُرِّض لها بالحديث. وقال الشاعر:
العبد يُقرع بالعصا ... والحُرُّ تكفيه الملامةْ
وقال آخر: ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها
وقال عبد المسيح المتلمِّسُ:
لذي الحلم قبل اليوم ما تُقرع العصا ... وما عُلِّم الإنسان إلاَّ ليعلما
وقال بعضهم:"في خفيِّ التعريض ما أغنى عن شنيع التَّصريح".
وقد جمعت في كتابي هذا ما جاء في الحجاب من خبرٍ وشعرٍ، ومعاتبة وعُذر، وتصريح وتعريض، وفيه ما كفى. وبالله التوفيق.
وقد قلت:
كفى أدباً لنفسك ما تراه ... لغيرك شائناً بين الأنام
ما جاء في الحجاب والنَّهي عنه
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ثلاثٌ من كُنَّ فيه من الولاء اضطلع بأمانته وأمره: إذا عدل في حكمه، ولم يحتجب دون غيره، وأقام كتاب الله في القريب والبعيد".
وروي عنه عليه السلام أنّه وجّه عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه إلى بعض الوجوه، فقال له فيما أوصاه به:"إنِّي قد بعثتك وأنا بك ضنين فابرزْ للناس، وقدِّم الوضيع على الشَّريف، والضَّعيف على القويّ، والنّساء قبل الرجال، ولا تُدخلنَّ أحداً يغلبك على أمرك، وشاور القرآن فإنّه إمامك".
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا استعمل عاملاً شرط عليه أربعا: لا يركب برذوناً، ولا يتّخذ حاجباً، ولا يلبس كَتَّاناً، ولا يأكل درْمكاً.
ويوصي عمّاله فيقول: إيّاكم والحجاب، وأظهروا أمْركم بالبراز، وخذوا الذي لكم وأعطُوا الذي عليكم، فإنَّ امرأً ظلم حقَّه مضطرٌّ حتى يَغْدُو به مع الغادين.