قال - عليه الرحمة:
{اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) }
تعلّلَ موسى عليه السلام لمَّا أرسله الحقُّ إلى فرعون بوجوهٍ من العِلل مثل قوله: {وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِى} [القصص: 13] ، {إِنِّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسَاً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} [القصص: 33] .. إلى غير ذلك من الوجوه، فلم ينفعه ذلك، وقال الله: {إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46] ، فاستقل موسى عليه السلام بذلك، وقال: الآن لا أُبالي بعد ما أنت معي.
{فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) }
إنما أمرهما بالملاينة معه في الخطاب لأنه كان أول مَنْ دَعَوْه إلى الدِّين، وفي حال الدعوة يجب اللِّين؛ فإنه وقت المُهلةِ، فلا بدَّ من الإمهال ريثما ينظر؛ قال الله لنبينا صلى الله عليه وسلم {وَجَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] : وهو الإمهال حتى ينظروا ويستدلوا، وكذلك قال: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ} [سبأ: 46] .
ثم إذا ظهر من الخَصمِ التمرُّدُ والإباء فحينئذٍ يُقابَلُ بالغلظة والحتف.
ويقال علَّمهما خطابَ الأكابرِ ذوي الحشمة؛ ففرعونُ - وإن كان كافراً - إلا أنه كان سلطانَ وقتهِ، والمتسلِّطَ على عبادِ الله.
ويقال إذا كان الأمرُ في مخاطبة الأعداء بالرِّفق والملاينة ... فكيف مع المؤمن في السؤال؟
ويقال في هذا إشارة إلى سهولة سؤال المَلَكَين في القبر للمؤمن.
ويقال إذا كان رِفْقُه بِمَنْ جَحَدَه فكيف رِفْقُه بِمَنْ وَحَدَه؟
ويقال إذا كان رَفْقُه بالكفَّارِ فكيف رفقُه بالأبرار؟
ويقال إذا كان رفقه بمن قال: أنا ... فكيف رفقه بمن قال: أنت؟