ويقال إنه أَحْسَنَ تربيةَ موسى عليه السلام؛ فأراده أن يرفق به اليومَ في الدنيا على جهة المكافأة.
وقيل تفسير هذا ما قال في آية أخرى: {فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى} [النازعات: 18] .
وقوله: {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} : أي كُونَا على رجاء أن يُؤْمِنَ. ولم يحبرهما أنه لا يؤمن لئلا تتداخَلَهُما فَتْرَةٌ في تبليغ الرسالة عِلْماً منه بأنه لا يؤمن ولا يقبل.
{قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) }
في الآية دليلٌ على أَنَّ الخوفَ الذي تقتضيه جَبْلَةُ الإنسانِ غيرُ ملومٍ صاحبُه عليه، حيث قال مثل موسى ومثل هارون عليهما السلام: {إِنَّنَا نَخَافُ} .
ثم إنَّه سبحانه سَكَّنَ ما بهما من الخوف بوعد النصرة لهما.
ويقال لم يخافا على نَفْسَيْهِما شفقةً عليهما، ولكن قالا: إننا نخاف أن تحل بنا مكيدةٌ من جهته، فلا يحصل فيما تأمرنا به قيامٌ بأمرك، فكان ذلك الخوفُ لأجل حقِّ الله لا لأَجْلِ حظوظ أنفسهما.
ويقال لم يخافا من فرعون، ولكن خافا من تسليط الله إياه عليهما، ولكنهما تأّدّبا في الخطاب.
{قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) }
تلَطَّفَ في استجلاب هذا القول من الحق سبحانه، وهو قوله: {إِنَّنِى مَعَكُمَا} بقولهما: {إِنَّنَا نَخَافُ} ، وكان المقصود لهما أن يقول الحق لهما: {إِنَّنِى مَعَكُمَا} وإلا فأَنّي بالخوف لِمَنْ هو مخصوصٌ بالنبُوَّةِ؟!
ويقال سَكَّنَ فيهما الخوف بقوله: {إِنَّنِى مَعَكُمَا} ، فَقَوبا على الذهاب إليه؛ إذ مِنْ شَرْط التكليف التمكين.
قوله جلّ ذكره: {فَأْتِيَاهُ فَقُولآَ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرَآءِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ} .