[من روائع الأبحاث]
(فصل)
قال السُّرَّمَرِّي:
فإن قيل: إن موسى - عليه السلام - أعطي العصا لما حضرت السّحرة وألقوا حبالهم وعصيّهم ألقى موسى - عليه السلام - عصاه فتلقفت ما صنعوا واستغاث فرعون بموسى - عليه السلام - رهبة وفرقاً منها.
قيل: فقد أُعطي محمد - صلى الله عليه وسلم - أعظم من ذلك, وذلك أن أبا جهل بن هشام قال: يا معشر قريش إن محمّداً قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا, وشتم آبائنا, وتسفيه أحلامنا, وسبّ آلهتنا, وإني أعاهد الله لأجلسنَّ له بحجر قدر ما أطيق حَمله, فإذا سجد في صلاته رضخت به رأسَه, فأسلموني عند ذلك أو امنعوني, فليصنع بنو عبد مناف ما بدا لهم, قالوا: لا والله لا نُسْلِمُكَ لشيء أبداً فاصنع ما تريد, فلما أصبح أبو جهل أخذ حجراً كما وصف وجلس لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وغدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما كان يغدو, فقام يصلّي وقد قعدت قريش في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل صانع, فلما سجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى إذا دَنا منه رجع مَبْهوُتاً, مُنتقعاً لونه مَرْهُوباً, قد يبسَتْ يداه على حجره حتى قذف الحجر من يده, وقامت إليه رِجَالاتُ قريش وقالوا: مالك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل به ما قلتُ لكم البارحة, فلما دنوت منه عَرض لي دونه فحل من الإبل, (لا) والله ما رأيت مثل هامته ولا قَصَرته ولا أنيابه, فهمّ أن يأكلني, فيُذكر أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ذاك جبريل لو دنا منّي لأخَذَه» , وفي رواية أخرى: فلمّا أتاه وهو ساجد رفع يده وفيها الفِهرُ ليَدْمغ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - زعم , فيبست يده على الحجر, فلم يستطع إرسال الحجر من يده, فرجع إلى أصحابه فقالوا: أجَبُنتَ عن الرجل؟! فقال: لم أفعل, ولكن هذا في يدي لا أستطيع إرسالَه, فعجبوا من ذلك فوجدوا أصابعه قد يبست على الحجر فعالَجوها حتى خلصوها وقالوا: هذا شيء يُراد, وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال أبو جهل: هل يغفّر محمّدٌ وجهه بين أظهركم, فقيل: نعم, فقال: واللات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته أو لأعفِّرنَّ وجهه في التراب - قال -: فأتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي زعم لِيَطَأ على رقبته, فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتّقي بيديه - قال -: فقيل له: مالك, قال: إنّ بيني وبينه لخندقاً من نار وهَولاً وأجنحةً, فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو دَنا مني لاختطفته الملائكة عُضواً عضواً ... » الحديث.
فكيد سحرة فرعون وإن كان عظيماً فإنه كان لأجل فرعون إما رغبة وإمّا رهبة فلا يوازي كيد أبي جهل إذ كان يجهد لنفسه بنفسه في أذى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليَشفي غيظ قلبه منه, وليس من يسعى ويجهد لغيره في القوّة كمن يسعى لنفسه, ثم إن من نُصر به محمد - صلى الله عليه وسلم - كان جبريل والملائكة عليه وعليهم السلام كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو دنا منّي لاختطفتهُ الملائكةُ عضواً عضواً»
فهو أعظم مما نُصِر به موسى عليه الصلاة والسلام فإنه كان الثعبان المنقلب عن العصا وبينه وبين جبريل بَوْنٌ بعيد عظيم. انتهى انتهى {خصائص سيد العالمين، للسُّرَّمَرِّي} ...