قوله تعالى: {قالوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنَا يا إبراهيم}
فيه أربع مسائل:
الأولى: لما لم يكن السماع عاماً ولا ثبتت الشهادة، استفهموه هل فعل أم لا؟ وفي الكلام حذف فجاء إبراهيم حين أتي به فقالوا: أأنت فعلت هذا بالآلهة؟ فقال لهم إبراهيم على جهة الاحتجاج عليهم: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا} أي إنه غار وغضب من أن يعبد هو ويعبد الصغار معه ففعل هذا بها لذلك، إن كانوا ينطقون فاسألوهم.
فعلق فعل الكبير بنطق الآخرين؛ تنبيهاً لهم على فساد اعتقادهم.
كأنه قال: بل هو الفاعل إن نطق هؤلاء.
وفي الكلام تقديم على هذا التأويل في قوله: {فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ} .
وقيل: أراد بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون.
بين أن من لا يتكلم ولا يعلم لا يستحق أن يعبد.
وكان قوله من المعاريض، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب.
أي سلوهم إن نطقوا فإنهم يصدقون، وإن لم يكونوا ينطقون فليس هو الفاعل.
وفي ضمن هذا الكلام اعتراف بأنه هو الفاعل وهذا هو الصحيح لأنه عدده على نفسه، فدل أنه خرج مخرج التعريض.
وذلك أنهم كانوا يعبدونهم ويتخذونهم آلهة من دون الله، كما قال إبراهيم لأبيه: {ياأبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ} [مريم: 42] الآية فقال إبراهيم: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا} ليقولوا إنهم لا ينطقون ولا ينفعون ولا يضرون؛ فيقول لهم فلم تعبدونهم؟ فتقوم عليهم الحجة منهم، ولهذا يجوز عند الأمة فرض الباطل مع الخصم حتى يرجع إلى الحق من ذات نفسه؛ فإنه أقرب في الحجة وأقطع للشبهة، كما قال لقومه:"هَذَا رَبِّي"وهذه أختي و"إِنِّي سَقِيمٌ"و"بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا"وقرأ ابن السميفع"بل فَعَلَّهُ"بتشديد اللام بمعنى فلعل الفاعل كبيرهم.
وقال الكسائي؛ الوقف عند قوله:"بل فعله"أي فعله من فعله؛ ثم يبتدئ"كَبِيُرُهم هذا".