وَقَالَ سعيد بن جُبَير رَحمَه الله لَا يزَال الرجل عَالما مَا تعلم فَإِذا ترك التَّعَلُّم وَظن أَنه قد اسْتغنى وَاكْتفى بِمَا عِنْده كَانَ أَجْهَل مَا يكون وَقيل لبَعْضهِم من مَتى التَّعَلُّم وَإِلَى مَتى قَالَ من المهد إِلَى اللَّحْد
وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (كل صَاحب علم غرثان إِلَى علم)
رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو نعيم رَضِي الله عَنهُ
وَأَن الْعلمَاء كلهم والحكماء من الْمُتَأَخِّرين وَمن سبقهمْ من القدماء هم الَّذين يَجدونَ للْعلم لَذَّة تفوق سَائِر اللَّذَّات ويحقرون عِنْدهَا لَذَّة الْمُلُوك وَسَائِر الطَّيِّبَات فيعكفون على إدمان النّظر فِيهِ والمطالعات ويأنسون بالمذاكرة فِيهِ وَكَثْرَة المراجعات ويرون أنسهم بذلك خيرا من أنس النديم وألذ من الرَّحِيق الْمَخْتُوم الَّذِي ختامه مسك ومزاجه من تسنيم وَفِي ذَلِك أنْشد إمامنا الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ آمِين
(لمحبرة تجالسني نهاري ... أحب إِلَى من أنس الصّديق)
(ورزمة كاغد فِي الْبَيْت عِنْدِي ... أحب إِلَيّ من عدل دَقِيق)
(ولطمة عَالم فِي الخد مني ... أحب إِلَيّ من شرب الرَّحِيق)
وَقَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله أَيْضا
(إِن صَحِبنَا الْمُلُوك تاهوا علينا ... واستبدوا بِالرَّأْيِ دون الجليس)
(أَو خدمناهم بِقَبض وَبسط ... كَانَ أدعى إِلَى دُخُول الحبوس)
(أَو صَحِبنَا التُّجَّار عدنا إِلَى اللوم ... وصرنا إِلَى حِسَاب الْفُلُوس)
(أَو لزمنا السِّلَاح نبغي بِهِ الْعِزّ ... تعدى إِلَى احترام النُّفُوس)
(فلزمنا الْبيُوت نتَّخذ الحبر ... ونطلي بِهِ وُجُوه الطروس)
(ونناجي الْعُلُوم فِي كل فن ... عوضا عَن منادمات الكؤوس)
وَأنْشد الإِمَام أَبُو مُحَمَّد اليحيوي لنَفسِهِ فِي مَسْجده بِمَدِينَة دَار السَّلَام بَغْدَاد
(اجعل كتابك كالصندوق تفتحه ... فتأخذ المَال مِنْهُ ثمَّ تطبقه)
(فَالْمَال يذهب فِيمَا لَا التذاذ بِهِ ... وَالْعلم يبْقى وَيبقى فِيك رونقه)
(فِيهِ الْجمال على التَّأْبِيد تلبسه ... وَهُوَ الَّذِي للسان العي ينطقه)
وَعَن عَليّ كرم الله وَجهه أَنه قَالَ الْكتب جلاء الْقُلُوب ومسلاة الهموم ولنعم الصاحب الْكتاب فِي الْحَضَر السّفر