ويخرج على ذلك منها كل نبات ومرعى وكل شيء حي، ويخرج منها
الحب والزرع والزيتون والرمان، ومن كل الجنات معروشات وغير معروشات.
فهذه جنات الغيب، وجهنم غيب سعيرها وزمهريرها، وهذا من الخبء
الذي له في السماوات والأرض، والسر الذي له فيها يظهره إذا جاء أجل ذلك،
ثم لهذه الدار التي أفاض الله علينا منها هذه، لتمتعنا في هذه الدار إلى الحين المقدر
عنده دار متصلة بها هي غيب عن غيب إذا كان يوم القيامة ألحقت هذه بتلك،
فلا يدخل إلا بعد استفتاح بابها ولا ينالها إلا المتقون.
نظم بذلك من وصفها قوله الحق: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا ...(62) . اللغو من الكلام:
الباطل، ليس في الجنة باطل ألبتة، إنما هي مبنية على التوحيد والتنعيم به وبما
يفضل عنه، ثم قال: (وَلَا تَأْثِيمًا) هذا أبعد في وجود ذلك فيها(إِلَّا
سَلَامًا)السلام: ما سلم من المكروه والباطل، والسلام اسم من
أسماء الله، وبأسمائه قامت الدنيا سماواتها وأرضوها وما بين ذلك، إلى ما علا
وسفل إلى قرارها المنتهى، وذلك في الآخرة أظهر جدًّا.
فذكر الله وما يؤول إلى ذلك مجدد فيه دون فتور أبدًا، حتى إنهم ليلهمون
التسبيح كما يلهمون النفس (دَعْوَاهُمْ فِيهَا) كل يعني: [هجراهم] فيها لعظيم ما
يعجبهم به من ذلك ويحدد لهم من أمره (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ) يجيبهم الله
-جل ذكره - بالسلام وتجيبهم الملائكة وسكان الجنان وجميع ما فيها من
موجوداتها.
قال اللَّه - جلَّ من قائل: (وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ (10) . ثم يعجبهم بما لم يعجبهم به قيل هكذا فهم
أبدًا (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَالَمِينَ (10) . آية ذلك ما خلق الله عليه السماوات والأرض وما
بينهما من معاني أسمائه ومعالي صفاته، يجد ذلك المعتبرون علمًا وعرة
ويجدون، ذلك فيما هنالك مشاهدة لظهور الحق المبين كالشمس الصاحية
والقمر في الكمال، فافهم وآمن إن وعد الله حق.