وقرأ الجمهور: كلتا الجنتين، وفي مصحف عبد الله {كلا الجنتين} ، أتى بصيغة التذكير، لأن تأنيث الجنتين مجازي، ثمّ قرأ {آتت} فأنّث، لأنه ضمير مؤنّث، فصار نظير قولهم: طلع الشّمس، وأشرقت، وقال الفراء في قراءة ابن مسعود: {كل الجنتين آتى أكله} انتهى. فأعاد الضمير على كل {وَفَجَّرْنا} ؛ أي: أجرينا وشققنا {خِلالَهُما} ؛ {خِلالَهُما} ؛ أي: وسط الجنتين {نَهَرًا} ليسقيهما دائما من غير انقطاع، وقرأ الجمهور، {وَفَجَّرْنا} بتشديد الجيم للمبالغة، وقال الفراء: إنما شدد {وَفَجَّرْنا} وهو نهر واحد، لأن النهر يمتد، فكان التفجر فيه كله، أعلم الله تعالى أن شربهما كان من نهر واحد، وهو أغزر الشرب، وقرأ الأعمش وسلّام، ويعقوب، وعيسى بن عمر، بتخفيف الجيم، وكذا قرأ الأعمش في سورة القمر، والتشديد في سورة القمر، أظهر لقوله {عُيُونًا} وقوله {نَهَرًا} وانتصب {خِلالَهُما} ؛ أي: وسطهما على الظرف لأنه كان النهر يجري من داخل الجنتين، وقرأ الجمهور {نَهَرًا} بفتح الهاء، وقرأ أبو السمال، والفياض بن غزوان، وطلحة بن سليمان بسكون الهاء؛ أي: وشققنا وسط الجنتين نهرًا كبيرًا، تتفرع منه عدة جداول، ليدوم سقيهما، ويزيد بهاؤهما، وتكثر غلتهما.
ولعل تأخير ذكر تفجير النهر عن ذكر إيتاء الأكل مع أن الترتيب الخارجي على العكس، للإيذان باستقلال كل من إيتاء الأكل، وتفجير النهر في تكميل محاسن الجنتين، ولو عكس لانفهم أنّ المجموع خصلة واحدة، بعضها مرتب على بعض، فإن إيتاء الأكل متفرع على السقي عادة، وفيه إيماء إلى أن إيتاء الأكل لا يتوقّف على السقي كقوله تعالى: {يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ}
34 - {وَكانَ لَهُ} ، أي: لصاحب الجنّتين {ثَمَرٌ} ؛ أي: أنواع من المال غير الجنتين من ذهب وفضة ثمرها بما ادخره من غلات الجنتين ومن تجارات أخرى، والثّمر بفتحتين جمع ثمرة، وهي المجني من الفاكهة، وذكرها وإن كانت الجنة لا تخلو عنها إيذان بكثرة الحاصل له في الجنتين من الثمار وغيرها، وقال ابن عباس وقتادة: الثمر: - يعني إذا قرئ بضمتين - جميع المال من الذهب والحيوان وغير ذلك، وقال النابغة: