فإن قال قائل: قد ذكرتم الوجه في تنكير الحياة في قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) [سورة البقرة: 179] فما وجه تنكير السلام في قصة «يحيى» في قوله تعالى: (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ) [سورة مريم: 15] وتعريف السلام في قصة «عيسى» في قوله تعالى: (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ) [سورة مريم: 33] ثم إذا كان التنكير في السلام هو المطرد كقوله: (سَلامٌ عَلى نُوحٍ) [سورة الصافات: 76] (سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ) [سورة الصافات: 130]
وغير ذلك، فما وجه نصبه في سلام الملائكة في قوله تعالى: (قالُوا سَلاماً) [سورة هود: 69] ورفعه في سلام إبراهيم في قوله تعالى: (قالَ سَلامٌ) [سورة هود: 69] فمن حقكم إيراد التفرقة في هذه الأمور ليكمل الغرض في تقرير قاعدة التنكير.
والجواب: أما ما ذكره أولا من تقرير فائدة التنكير في قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) [سورة البقرة: 179] فقد أوردنا ما قاله علماء البيان في ذلك، فأغنى عن إعادته، والمعتمد عندنا أن العلة في إيثار التنكير على التعريف، هو أن الغرض إخراجها مخرج الإطلاق عن كل قيد من القيود اللازمة لها، من تعريف أو تخصيص؛ لأن التقدير: إن لكم في القصاص حياة بالغة في اللطف مبلغا عظيما، وجامعة لجميع مصالح الدين، والدنيا، ونازلة في الاستصلاح منزلا تقاصرت العبارة عن كنهه، فحذفت هذه القيود كلها، وأطلقت إطلاقا، وعوض التنوين عن هذه القيود، كما جعل عوضا في يومئذ، وحينئذ، عن جميع الجمل السالفة، وفيه من التعظيم والفخامة ما يرى، فهذا هو الوجه اللائق بفصاحة القرآن، دون ما ذكره علماء البيان.