(فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى(20)
رُوِي أنه عليه السلام ألقاها فانقلبت حية صفراء، في غلظ العصا، ثم انتفخت وعظمت، فلذلك شبهت بالجان تارة، وبالثعبان مرة أخرى، وعبَّر عنها هنا بالاسم العام للحالين.
وقيل: انقلبت من أول الأمر ثعبانًا، وهو أليق بالمقام، كما يفصح عنه قوله عزّ وجلّ: (فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ) ، وإنما سميت بالجان في الجلادة وسرعة المشي، لا في صغر الجثة.
وقيل: الجان عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان عن انتهائه.
(فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى(44)
أي: فقولا له قولا لينا، رَاجِيَيْنِ تذكرته، أي: باشرا وعظه مباشرةَ من يرجو ويطمع أن يُثمر علمُه ولا يخيب سعيُه.
وفائدة هذا الإبهام: الحث على المبالغة في وعظه. هذا جواب سيبويه عن الإشكال، وهو أنه تعالى علم أنه لا يؤمن، وقال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ، فصرف الرجاء إلى موسى وهارون، أي: اذهبا على رجائكما.
وقال الوراق: قد تذكر حين ألجمه الغرق.
وقال الزجاج: خاطبهم بما يعقلون.
قلت: كونه تعالى علم أنه لا يؤمن هو من أسرار القدر الذي لا يُكشف في هذه الدار، وهو من أسرار الحقيقة، وإنما بُعثت الرسل بإظهار الشرائع، فخاطبهم الحق تعالى بما يناسب التبليغ في عالم الحكمة، والله تعالى أعلم.
وجدوى إرسالهما إليه، مع العلم بإحالته، إلزام الحجة وقطع المعذرة.
(فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى(58)
وإنما فوض اللعينُ أمرَ الوعد إلى موسى عليه السلام للاحتراز عن نسبته إلى ضعف القلب ودخول الرعب إليه، وإظهار الجلادة، بإظهار أنه متمكن من تهيئَة أسباب المعارضة، طال الأمر أو قصر، كما أن تقديم ضميره على ضمير موسى عليه السلام، وتوسيط كلمة «النفي» بينهما للإيذان بمسارعته إلى عدم الاختلاف.