وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: مَعْنَى {تَصِفُونَ} تَكْذِبُونَ
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: تُشْرِكُونَ. وَذَلِكَ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ بِهِ الْأَلْفَاظُ فَمُتَّفِقَةٌ مَعَانِيهِ , لِأَنَّ مَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِأَنَّ لَهُ صَاحِبَةً فَقَدْ كَذَبَ فِي وَصْفِهِ إِيَّاهُ بِذَلِكَ، وَأَشْرَكَ بِهِ، وَوَصَفَهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ. غَيْرَ أَنَّ أَوْلَى الْعِبَارَاتِ أَنْ يُعَبَّرَ بِهَا عَنْ مَعَانِي الْقُرْآنِ أَقْرَبُهَا إِلَى فَهْمِ سَامِعِيهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَتَّخِذَ اللَّهُ لَهْوًا، وَلَهُ مُلْكُ جَمِيعِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالَّذِينَ عِنْدَهُ مِنْ خَلْقِهِ لَا يَسْتَنْكِفُونَ عَنْ عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُ , وَلَا يَعْيَوْنَ مِنْ طُولِ خِدْمَتِهِمْ لَهُ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لَا يَسْتَعْبِدُ وَالِدٌ وَلَدَهُ , وَلَا صَاحِبَتَهُ، وَكُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَبِيدُهُ، فَأَنَّى يَكُونُ لَهُ صَاحِبَةٌ وَوَلَدٌ؟ يَقُولُ: أَوَلَا تَتَفَكَّرُونَ فِيمَا تَفْتَرُونَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى رَبِّكُمْ؟
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: {وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} قَالَ: لَا يَسْتَحْسِرُونَ، لَا يَمَلُّونَ ذَلِكَ الِاسْتِحْسَارَ , قَالَ: «وَلَا يَفْتُرُونَ، وَلَا يَسْأَمُونَ» هَذَا كُلُّهُ مَعْنَاهُ وَاحِدٌ , وَالْكَلَامُ مُخْتَلِفٌ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: بَعِيرٌ حَسِيرٌ: إِذَا أَعْيَا وَقَامَ , وَمِنْهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ:
بِهَا جِيَفُ الْحَسْرَى فَأَمَّا عِظَامُهَا ... فَبِيضٌ، وَأَمَّا جِلْدُهَا فَصَلِيبُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يُسَبِّحُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ عِنْدَهُ مِنْ مَلَائِكَةِ رَبِّهِمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ مِنْ تَسْبِيحِهِمْ إِيَّاهُ.