ومن الفرقان ، قوله تعالى: {يِا أَيُّهَا الذين آمنوا إِن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ...} [الأنفال: 29] وتقوى الله لا تكون إلا بتنفيذ أوامره وتعاليمه الواردة في القرآن الذي نزل على محمد ، والفرقان هنا يعني: نور تُفَرِّق به بين الأشياء وتُميِّز به بين المتشابهات .
وعلى قَدْر ما تتقي الله باتباع الفرقان الأول يجعل لكم الفرقان الثاني ، وتتكوَّن لديكم فراسة المؤمن وبصيرته ، وتنزل عليكم الإشراقات التي تُسعِف المؤمن عندما يقع في مأزق .
ألاَ تراهم يقولون: فلان ذكي ، فلان حاضر البديهة . أي: يستحضر الأشياء البعيدة وينتفع بها في الوقت الحاضر ، وهذا من توفيق الله له ، ونتيجة لبصيرته وفراسته ، وكانت العرب تضرب المثل في الفراسة والذكاء بإياس بن معاوية حتى قال الشاعر:
إقْدامُ عَمْروٍ في سَمَاحَةِ حَاتِمِ ... في حِلْمِ أَحنَفَ في ذَكَاءِ إيَاسِ
ويُرْوَى أن الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور لما أراد أنْ يحج بيت الله في آخر مرة ، بلغه أن سفيان الثوري يتناوله ونتقده ويتهمه بالجور ، فقال: سوف أحج هذا العم ، وأريد أنْ أراه مصلوباً في مكة ، فبلغ الخبر أهل مكة ، وكان سفيان الثوري يقيم بها في جماعة من أصحابه من المتصوفة وأهل الإيمان ، منهم سفيان بن عيينة والفضيل بن عياض ، وكانا يُدلِّلان الثوري ويعتزان به .
وفي يوم كان الثلاثة في المسجد والثوري مُسْتَلْقٍ بين صاحبيه يضع رأسه في حِجْر أحدهما ، ورِجلْيهْ في حِجْر الآخر ، وقد بلغهم خبر المنصور ومقالته ، فتوسل ابنُ عيينة والفضيل للشيخ الثوري: يا سفيان لا تفضحنا واختفِ حتى لا يراك ، فلو تمكَّن منك المنصور ونفذ فيك تهديده فسوف يَضعف اعتقاد الناس في المنسوبين إلى الله .