وهنا يقول الثوري: والذي نفسي بيده لن يدخلها ، وفعلاً دخل المنصور مكة من ناحية الحجون ، فعثرت به الدابة ، وهو على مشارف مكة فوقع وأُصيب بكسر فمات لساعته . ودخل المنصور مكة محمولاً وأتَوْا به إلى المسجد الحرام حيث صلى عليه الثوري .
هذا هو الفرقان والنور والبصيرة وفراسة المؤمن الذي يرى بنور الله ، ولا يصدر في أمر من أموره إلا على هَدْيه .
ويُروى أن المهدي الخليفة العباسي أيضاً دخل الكعبة ، فوجد صبياً صغيراً في السادسة عشرة أو السابعة عشرة من عمره يلتف حوله أربعمائة شيخ كبير من أصحاب اللحي والهَيْبة والوقار ، والصبي يُلْقِي عليهم درساً ، فتعجب المهدي وقال: أُفٍّ لهذه السعانين يعني الذقون ، أمَا كان فيهم مَنْ يتقدم؟! ثم دنا من الصبي يريد أن يُقرِّعه ويؤنِّبه فقال له: كم سِنّك يا غلام؟ فقال الصبي: سني سِنُّ أسامة بن زيد حينما ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إمارة جيش فيه أبو بكر وفيه عمر ، فقال له المهدي - معترفاً بذكائه وأحقيقته لهذا الموقف: بارك الله فيك .
فالفرقان - إذن - لا تُستعمل إلا للأمور الجليلة العظيمة ، سواء ما نزل على موسى ، أو ما نزل على محمد ، إلا أن الفرقان أصضبح عَلَماً على القرآن ، فهناك بين العلم والوصف ، فكل ما يُفرِّق بين حَقٍّ وباطل تصفه بأنه فرقانٌ ، أمّا إنْ سُمِّي به ينصرف إلى القرآن .
والمتأمل في مادة (فَرَق) في القرآن يجد أن لها دوراً في قصة موسى عليه السلام ، فأول آية من آياته: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر ...} [البقرة: 50] .
والفَرْق أنْ تفصل بين شيء مُتصل مع اختلاف هذا الشيء ، وفي علم الحساب يقولون: الخَلْط والمزج ، ففَرْق بين أن تفصل بين أشياء مخلوطة مثل برتقال وتفاح وعنب ، وبين أنْ تفصلها وهي مزيج من العصير ، تداخل حتى صار شيئاً واحداً .