إذن: ففَرْق البحر لموسى - عليه السلام - ليس فَرْقاً بل فرقاناً ، لأن أعظم ألوان الفروق أن تَفرِق السائل إلى فِرْقيْن ، كل فِرق كالطود العظيم ، ومَنْ يقدر على هذه المسألة إلا الله؟
ثم يقول تعالى: {وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ} [الأنبياء: 48] أي: نوراً يهدي الناس إلى مسالك حياتهم دون عَطَب ، وإلاَّ فكيف يسيرون في دروب الحياة؟ فلو سار الإنسان على غير هدى فإمّا أنْ يصطدم بأقوى منه فيتطحم هو ، وإمّا أن يصطدم بأضعف منه فيحطمه ، فالضياء - إذن - هام وضروري في مسيرة الإنسان ، وبه يهتدي لحركة الحياة الآمنة ويسعي على بينة ، فلا يَتْعب ، ولا يُتعِب الآخرين .
{وَذِكْراً ...} [الأنبياء: 48] أي: يذكِّر ويُنبِّه الغافلين ، فلو تراكمتْ الغفلات تكوَّنَ الران الذي يحجب الرؤية ويُعمى البصيرة ، لذلك لما شبه النبي صلى الله عليه وسلم غفلة الناس قال:"تُعْرَض الفتن على القلوب كالحصير عُوداً عُوداً".
وفي رواية"عوذاً عوذاً"أي يستعيذ بالله أن يحدث هذا لمؤمن ، فهل رأيتَ صانع الحصير حينما يضمُّ عُوداً إلى عُود حتى يُكوِّن الحصير؟ كذلك تُعرَض علينا الفتن ، فإنْ جاء التذكير في البداية أزال ما عندك من الغفلة فلا تتراكم عليك الغفلات .
"فأيُّما قلب أُشْرِبها - يعني قَبلَها - العود تلو العود - نُكتَتْ فيه نكتة سوداء ، وأيُّما قلب أنكرها نُكتَتْ فيه نكتة بيضاء ، حتى تكون على قلبين - صدق رسول الله - على أبيض مثل الصفا لا تضرُّه فتنة ، ما دامت السماوات والأرض . أو على أسود كالكوز مُجَخِّياً - يعني منكُوساً - لا يعرف معروفاً ، ولا ينكر منكراً".
قالوا: فذلك هو الرَّانُ الذي يقول الله فيه: {كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] والذكر هو الذي يُجلِّي هذا الران .