{وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ} [الأنبياء: 48] ومن صفاتهم أنهم: {الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بالغيب ...}
الخشية: الخوف بتعظيم ومهابة ، فقد تخاف من شيء وأنت تكرهه أو تحتقره . فالخشية كأنْ تخاف من أبيك أو من أستاذ كأن يراك مُقصِّراً ، وتخجلل منه أنْ يراك على حال تقصير . فمعنى الخوف من الله: أن تخاف أن تكون مُقصِّراً فيما طُلِب منك ، وفيماً كلَّفك به ؛ لأن مقاييسه تعالى عالية ، وربما فاتكَ من ذَلك شيء .
وفي موضع آخر يشرح الحق سبحانه هذه المسألة ، فيقول: {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء ...} [فاطر: 28] لماذا؟ لأنهم الأعلم بالله وبحكمته في كونه ، وكلما تكشَّفَتْ لهم حقائق الكون وأسراره ازدادوا لله خشية ، ومنه مهابة وإجلالاً ؛ لذلك قال عنهم: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ...} [النحل: 50] أي: أعلى منهم وعلى رؤوسهم ، لكن بِحُبٍّ ومهابة .
ومعنى: {بالغيب ...} [الأنبياء: 49] أنهم يخافون الله ، مع أنهم لا يَروْنه بأعينهم ، إنما يَرَوْنَه في آثار صُنْعه ، أو بالغيب يعني: الأمور الغيبية التي لا يشاهدونها ، لكن أخبرهم الله بها فأصبحت بَعْد إخبار الله كأنها مشهدٌ لهم يروْنَها بأعينهم .
أو يكون المعنى: يخشون ربهم في خَلَواتِهم عن الخَلْق ، فمهابة الله والأدب معه تلازمهم حتى في خَلْوتهم وانفرادهم ، على خلاف مَنْ يُظهِر هذا السلوك أمام الناس رياءً ، وهو نمرود في خَلْوته .
وقوله تعالى: {وَهُمْ مِّنَ الساعة مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 49] والإشفاق بمعنى الخوف أيضاً ، لكنه خَوْفَ يصاحبه الحذر مما تخاف ، فالخوف من الله مصحوب بالمهابة ، والخوف من الساعة مصحوب بالحذر منها ، مخافة أنْ تقوم عليهم قبل أنْ يُعِدوا أنفسهم لها إعداداً كاملاً يُفرحهم بجزاء الله ساعة يلقوْنَه . {وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ ...} .