(فَصْلٌ: مِنْ رَوَائِعِ النُّكَتِ وَاللطَائِفِ فِي السُّورَةِ الكَرِيمَةِ)
قَالَ الإِمَامُ القَصَّابُ:
ذكر المبالغة.
قوله: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ(2)
نظير ما مضى في سورة البقرة من إجازة المبالغة في الأشياء حتى
يسمى بأضدادها كما يقال: فلان ميت، إذا كان بليدا في أمره خاليَا
من المنافع. وفلان شيطان، إذا كان داهية، وأشباه ذلك.
ألا تراه قال: (( وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى) ثم قال: (وَمَا هُمْ بِسُكَارَى) يعني - والله أعلم - من الشراب، ولكن من غلبة الفزع لما عاينوا من الزلزلة.
الجهمية.
وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ(3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (4)
حجة على المعتزلة والجهمية مغنية عن جميع ما تقدمها إذ هو يقول -
جل جلاله - نصا من غير تأويل: إن الشيطان يضل وليه، ويهديه إلى
عذاب السعير بما كتبه عليه من ذلك.
ولا أعلم في جميع ما مضى من الحجة عليهم أبلغ من هذه ولا أقل
التباسًا منها، فالحمد لله الذي وَقق أفهامنا لإثارتها، وهدانا
لما ضمن من الحجة عليهم فيها.
حذف هاء المفعول.
وقوله: (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ)
من المواضع التي يحسن فيها حذف هاء المفعول.
معان.
وقوله: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ(32) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33)
دليل على أشياء:
فمنهاْ: أن الزيادة في السمن، وكثرة الثمن في البدن أفضل من
تكثير اللحم بعدد المهازيل.
ومنها: أنها إذا جعلت شعائر يحرم الانتفاع في الظهر، والدر إلى
أن تنحر.
ومنها: أن اسم البيت غلب على الحرم كله فسمي به، لأن العلم
يحيط أن الشعائر لا تنحر عند البيت نفسه إنما هو مناحرها أرض مني.