ذكر الأكل مِنَ الهدى.
وقوله: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ(28)
إباحة الأكل من الهدي كله تطوعه وفرضه، إذ مخرج الإباحة في
الأكل عام فمن خص منه شيئا فعليه أن يأتي بالبرهان.
ولا أعلم منع الأكل من لحم هدية المفترض من الإجماع المحصل، بل
يحيط العلم بأن كل من حج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن
هديه تطوعًا، وكان فيهم لا محالة من كان هديه فرضا.
ألا ترى أن عائشة - رضي الله عنها - روت أنهم خرجوا مع
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنهم من أهل بحج وعمرة،
ومنهم من أهل بالحج ومنهم من أهل بعمرة، وأهل رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - بحج. فهب أن هدي النبي - صلى الله عليه
وسلم - حين أكل منه كان تطوعا لإفراده الحج،
أيخلو من كان معتمرا أو قارنا مِنْ إن كان هديهم فرضا واللًه -
تبارك وتعالى - يقول قولا عاما: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا) ، فما
كان من هدي متعة أو قِران فالأكل بظاهر القرآن منه مباح كهو من أكل
المفرد الذي يكون تطوعا. إنما لا يأكل من جزاء الصيد والنذور
والفدية، لأن هذه لا تسمى شعائر، إنما الشعائر - والله أعلم - ما
يكون بسبب القِران. والنذور شيء أوجبه المرء على نفسه فليس له أن
يأكل منها. والفدية وجزاء الصيد عقوبة فإذا أكل منه لم تتم العقوبة
عليه،
فإن عطب هذا الهدي الذي أبيح الأكل منه قبل محله لم يجز أن يأكل منه
صاحبه، ولا أحد من أهل رفقته لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم
سواء كان فرضا أو تطوعا.
وكان عطاء يجيز أن يأكل من المتعة ومن الإحصار، ويجيز من النذر
ما دون الثلث ما لم يسمه للمساكين، فإذا سماه للمساكين لم يجز.
فالإحصار عندي على وجهين:
فإن كان المحصور اشترط المحل فله أن يأكل منه، لأن محلها حينئذ
يكون حيث أحصر على حديث ضباعة.
وإن لم يكن اشترط فالحصر وجه من وجوه العطب. إذ كل