وقال المؤيد بالله:
(ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(5) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ)
فليوقظ الناظر فهمه، وليتأمل ما أودع في هذه الآية من المحاسن الرائقة والمعاني الفائقة مع اختصاصها بالترتيب الفائق وتنزيلها على النظام المعجب الرائق الذي يسحر الألباب رقة ولطافة. ويدهش الأفهام عذوبة وسلاسة، فصدر الآية بالنداء، والتنبيه، من أجل الإيقاظ، وجاء بصيغة الشرط على جهة الملاطفة في الخطاب، وحقق اعتراض الريب والشك في الأفئدة ليدفعه بالبرهان الواضح الجلي وضمنها برهانين.
البرهان الأول منها عجيب خلقة الإنسان وتنقلها في هذه الأطوار السبعة، ترابا، ثم نطفة في الرحم، ثم علقة، ثم مضغة، ثم الطفولة، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة والهرم، فقد أشار بهذا التدريج إلى عجيب القدرة، وإلى دقيق الحكمة على اختلاف هذه الأطوار، وتباين هذه المراتب في الخلقة، ودلالتها، من وجهين، أحدهما أن كل من قدر على إحداث هذه الأمور وإبداعها من غير شيء فهو قادر لا محالة على إعادتها، لأن الإعادة مثل الإيجاد، ومن قدر على الشيء قدر على مثله لا محالة.
وثانيهما: أن الابتداء إيجاد من غير احتذاء على مثال سابق، والإعادة إيجاد مع سبق الاحتذاء، فمن هو قادر على الابتداء كان أولى أن يكون قادرا على الإعادة بطريق الأحق، ولهذا قال تعالى منبها على ذلك بقوله (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)
يشير إلى ما قلناه.