لقد كانت قدرة تأثير الحوار النبوي ذات قوة فاعلة استطاع النبي (صلى الله عليه وسلم) من خلالها أن يستقطب عقولا جامدة يستحيل الحوار معها، وتغيير فكرها، إلا باتباع منهجية ذات قواعد استطاع من خلالها أن يستقطب جميع الطبقات الفكرية الموجودة في المجتمع الجاهلي، وقد عزّز هذه المنهجية توجيه إلهي استوعب العقول بأسلوب جذاب، نتج عنه استقرار المنهج الشرعي لدى كثير من العقول الواعية.
لقد وضع المفكر السيلاني البروفسور عبد المجيد مكين، المنهجية التي تناول الرسول (صلى الله عليه وسلم) من خلالها الطرح لمنهجية الإسلام في التفاهم والحوار، وكل ذلك وفق استعدادات وأساليب علمية، لو رجعنا إليها لوجدنا ما يغنينا عن الاستعانة بأي منهجية أخرى. وذلك من خلال رؤيته التي وضعها للمنهج النبوي في التغيير الحضاري، والتي وضع من خلالها العلامات البارزة فيه وهي:...
"...أنه مارس عمليات الربط الحضاري على المستوى النفسي والاجتماعي، وحقّق فيها أعلى مستويات الإتقان المنهجي والثقافي، وترك لنا نموذجاّ لبناء حضاري عالمي شامخ، بمقدوره أن يقدّم لنا (الهداية الحضارية) كلما استدعيناه بوعي، وفهمناه بعمق."
"...كان الوعي المنهجي النبوي، هو الوعي الذي يعطي للحركة التغييرية القدرة اللازمة لفهم سنن الذكر، وسنن الأنفس وسنن الكون؛ ذلك أن فهم هذه الأنواع من السنن، هو الذي يجعل المشكلة الحقيقية للأمة واضحة دون غموض، وممكنة الحل في حدود الطاقة البشرية."
"...يهتم المنهج النبوي بإعداد المشاريع التربوية، من مراعاة لتوزيع الخريطة الثقافية والجغرافية للناس وقدراتهم واستعداداتهم؛ وذلك حتى تصبح تربية اجتماعية، تطول كل شرائح المجتمع ومؤسساته، فكل شريحة تحتاج إلى فهم معادلتها، والأسلوب الأمثل في التعامل مع قضاياها ومتطلباتها."
"...في ظل الطرح الإسلامي يبدو لنا معيار الوحي هو المدخل الوحيد لدراسة مشكلات وقضايا الفكر الإسلامي؛ إذ لا تجدي الطريقة العلمية الحديثة شيئا في استنكاه خبايا الظواهر الإسلامية، ومغازيها الحقيقية، وأبعادها الجوهرية التي لا يمكن فهمها، إلا في ضوء معيار الوحي. (38) "