ومن لطائف ونكات معاني القرآن وإعرابه للزجاج:
(يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ ...(13)
فإن قال قائل: كيف يقال: (أقرب من نفعه) ولا نفع من قِبَلِهِ ألبتَّةَ؟
فالعرب تقول لِمَا لَا يكون (هذا بعيد) ، والدليل على ذلك قوله تعالى: (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ(3) .
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ...(18)
والسجود ههنا الخضوع للَّهِ عزَّ وجلَّ، وهيِ طاعة ممن خلق الله من
الحيوان والموات.
والدليل على أنه سجودُ طَاعَةٍ قوله: (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) .
هذا أجود الوجوه أنْ يكونَ تَسْجُدُ مُطِيعةً، للَّهِ عزَّ وجلَّ.
كما قال اللَّه تعالى: (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) ، وكما قال: (وَإِنَّ مِنْهَا) يعني الحجارة (لما يهبط من خَشْيَةِ اللَّهِ) ، فالخشية لا تكون إلَّا لما أعْطاه اللَّه مما يَخْتَبِرُ به خشيته.
وقال قوم: السجود من هذه الأشياء التي هي موات ومن الحيوان الذي لا يعقل إنما هو أثَرَ الصنعَةِ فيها والخضوع الذي يدل على أنها مخلوقة، واحتجوا في ذلك بقول الشاعر:
بجَيْشٍ يَضِل البلق في حَجَراتِه... ترى الأُكْمَ فيها سُجَّداً للحوافِرِ