أي قد خشعت من وطء الحوافِرِ عَلَيْهَا، وذلك القول الذي قالوه لأن السجود الذي هو طاعة عندهم إنما يكونُ ممن يَعْقِلُ، والذي يكسر هذا ما وصف اللَّهُ عزَّ وجلَّ مِنْ أن مِن الحجارةِ لما يهبط من خشية اللَّه، والخشية والخوفُ ما عقلناه إلا للآدميين، وقد أعلمنا اللَّه - عزَّ وجلَّ - أن من الحجارة ما يخشاه، وأعلمنا أنه سَخر معَ داودَ الجبالَ والطيرَ تسبح معه، فلو كان تسبيح الجبال والطير أثرَ الصنعة: ما قيل (سخرنا) ولا قيل (مع داود الجبال) لأن أثر الصنعة يتبين معَ دَاوُدَ وَغيرِه، فَهُوَ سُجودُ طاعةٍ لا محالة، وكذلك التسبيح في الجبال والطير، ولكنا لا نعلم تسبيحها إلا أن يجيئنا في الحديث كيف تسبيح ذلك.
وقال اللَّه عزَّ وجلَّ - (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) .
(هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ...(19)
وقيل (اختصموا) وقد قال (خَصْمَانِ) لأنهما جَمْعانِ.
(وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ...(40)
وتأويل هذا: لولا أن اللَه - عزَّ وجل - دَفَع بعض الناس بَبَعْض لهُدِّمَ في شريعة كُلِّ نَبيٍّ المَكَانَ الَّذِي كان يُصَلِّي فيه، فَكَانَ لولَا الدفعُ لَهُدِمَ في زمن موسى عليه السلام الكنائس التي كان يصلي فيها في شريعته، وفي زَمَنِ عيسى الصوامع والبِيَعُ، وفي زمن محمد - صلى الله عليه وسلم - المساجِدُ.
(فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ(46)
القلبُ لا يكون إلا في الصدْرِ - ولكن جَرَى عَلَى التَوكِيدِ كما قال عز وَجَل (يَقُولُونَ بأفْوَاهِهِمْ) ، وكما قال: (وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) .