وكما قرأ بعضهم: (لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً) .
فالتوكيد جار في الكلام مبالغ في الإفْهَام.
(ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ(60)
قوله: (وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ) .
الأول لم يكن عقوبةً، وإنما العقوبة الجزاء، ولكنه سُمِّي عقوبةً لأن الفِعلَ الذي هو عقوبة كان جزاء فسمِّي الأول الذي جوزيَ عليه عقوبة لاستواء الفعلين في جنس المكروه.
كما قال عزَّ وَجَلَّ: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) .
فالأول سيئة والمجازاة عليها حسنةٌ من حسنات المجَازِي عليها إلا أنها سُمِّيَتْ سيئَةً بأنها وقَعَتْ إساءة بالمفعول به، لأنه فعِلَ بِهِ ما يَسُوءه.
وكذلك قوله (مُسْتَهْزِئُونَ(14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ)، جعل مجازاتهم باستهزائهم مسمَّى بلفظ فِعْلِهِمْ لأنه جَزَاءُ فعلهم.
(لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ ...(67)
أي لا يجادِلُنَّكَ فيه، ومعناه لا تنازعهم، والدليل عنى أن المعنى لا يُجَادِلنَّك وَلَا تُجَادِلَنَّهُمْ قوله: (وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ) هذا قبل القتال.
فإن قال قائل: فهم قد جَادَلُوه فَلِمَ قيل (فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ) وهم قد نازعوه؟
فالمعنى أنه نَهْيٌ له - صلى الله عليه وسلم - عن منازعَتِهِمْ كما يقول: لا يخَاصِمَنَّكَ فُلَانٌ في هذا أبداً، وهذا جائز في الفعل الذي لا يَكونُ إلا من اثنين لأن المجادلة والمخاصمة لا تتم إلا باثنين، فإذا قلت لا يُجَادِلَنَّكَ فُلان فهو بمنزلة لا تجادِلَنَّهُ، ولا يجوز هذا في قوله: لا يَضْرِبَنَّكَ فُلَانٌ، وأنت تريد لا تضرِبْهُ.
ولكن لو قلت لا يُضَارِبنَّكَ فلان لكان كقولك لا تُضَارِبَنَّ فلاناً. انتهى انتهى {معاني القرآن وإعرابه، للزجاج} ...