(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ... (11) }
ولم يرد تعالى بذكره الحرف في هذه العبارة الحرف من حروف المعجم ولا أراد الكلمة، وإنّما أراد وهو سبحانه أعلم الوجه والطريقة التي تقع عليها العبادة، وأنّ منهم من يعبد الله على الخير يصيبه والنماء في ماله، وإكمال صحته ووفور نعمه، ومنهم من يعبده على الشدّة والبأساء والرجاء، وكيف تصرّفت به الأحوال، لأنّه عنده أهل لأن يعبده مع التفضل والامتحان وعلى الخيرات والإنعام.
وقد قيل: إن معنى قوله تعالى: {يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ} أي على شكّ وغير استبصار وطمأنينة، وجعل الحرف مثلا لقلة الطمأنينة، كما يقال فلان على شفا جرف، إذا كان غير متمكن في الأمر.
قال أبو عبيد: وكل شاكّ في شيء فهو على حرف.
وقيل: إنّ الآية نزلت في أعاريب من بني أسد أسلموا على يد النبي صلى الله عليه وسلّم، فكانوا إذا سلمت مواشيهم وأعطوا من الصدقة استقاموا على الإسلام، وإذا لم يعطوا وهلكت مواشيهم ارتدّوا عن الإسلام، وهو العبادة لله سبحانه أيضا عبادة له على وجه وطريقة هي الشكّ وعدم اليقين، ومخالفة لعبادته باليقين، والصبر على البأساء والضراء، فلا معنى لقول من زعموا أنّ الوجه لا يسمّى حرفا.
وإذا كان ذلك كذلك ثبت أن الوجه والطريقة التي لا يقع الشيء عليها تسمّى في اللغة حرفا. انتهى انتهى {الانتصار للقرآن، للباقلاني} ...