[من روائع الأبحاث]
(فصل)
قال السُّرَّمَرِّي:
فإن قيل: إن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - بوَّأ الله تعالى له مكانَ البيت حتى عَمَره وأقام شعائر الله؟
قيل: ما فعله محمد - صلى الله عليه وسلم - في أمر البيت أعظم, فإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام جاء إلى أرض داثرة فبنى فيها بيتاً وأقام فيه أموراً شرعها الله تعالى له, وليس في ذلك كبير مشقة وإن كان فيه من الفضل والإحسان ما فيه, فإن فعل نبينا - صلى الله عليه وسلم - أعظم خطراً وأشدّ ابتلاء فإنَّه بُدِّلت تلك الشعائر التي رسمها إبراهيم عليه الصلاة والسلام بعده , وتناسخت الأحوال حتى صار ذلك البيت الذي بناه إبراهيم عليه الصلاة والسلام لإقامة شعائر الدين الحنيف بتبديل الجاهلية مَركزاً للشرك ومحلًّا للأوثان وصار يُعبَد فيه غير الله ويُدعى من سواه ويُقاتل على ذلك, فبعث الله محمداً - صلى الله عليه وسلم - فمحا تلك الآثار وكسر تلك الأصنام وأزال المنكرات وأعاد سنَّة إبراهيم عليه الصلاة والسلام التي كانت قد دثرت, وعبد الله وحده وزال الإشراك وزاد على شريعة إبراهيم مما شرعه الله تعالى له حتى كان عام حجَّة الوداع أنزل عليه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة 3] حتى قال بعض اليهود لعمر بن الخطاب:" (يا أمير المؤمنين) آيةٌ في كتابكم تقرؤنها لو علينا معشر يهود أنزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً, فقال عمر: أيّ آية, قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... } الآية [المائدة 3] , فقال عمر - رضي الله عنه -: إني لأعلم الموضع الذي نزلت فيه واليوم الذي نزلت فيه يوم جمعة عشية عرفة"؛ ففرقٌ بين من بنى بيتاً وسنَّ سُنَّة من غير منازع إلى من جاء إلى أمَّة جاهلية جهلاء, قد اجتمعت على بيتٍ جعلته دينها وأقامت فيه الأصنام يعبدونها من دون الله وشرعوا أموراً زيَّنها لهم الشيطان فرأوها حسنة واتخذوها ديناً وقاتلوا على ذلك وتوارثوه خلفاً عن سلف ووجدوا عليه آبائهم فأمرَهم بترك ما قد نشأوا عليه من ذلك الدين ومفارقة ما قد رسمه لهم أسلافهم ونبتت عليه لحومهم ودماؤهم فصرفهم عنه طوعاً وكرهاً وردَّهم عنه إلى دين لم يعرفوه هم ولا آباؤهم بما أوضحه لهم من الحق حتى أطاعوه وقال أحبَّ إليهم من آبائهم وأولادهم وإخوانهم وعشيرتهم حتى ضَرَبَ الدينُ بحرانه واستقر على أركانه. انتهى انتهى {خصائص سيد العالمين، للسُّرَّمَرِّي} ...