قال - عليه الرحمة:
قوله جلّ ذكره: {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِى خَاوِيةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} .
الظلمُ يوجِبُ خرابَ أوطانِ الظالم، فتخرب أولاً أوطان راحة الظالم وهو قلبه، فالوحشةُ التي هي غالبةَ على الظَّلَمَةِ من ضيقِ صدورهم، وسوءِ أخلاقهم، وفَرْطِ غيظ مَنْ يَظْلِمُونَ عليهم ... كل ذلك من خراب أوطان راحاتهم، وهو في الحقيقة من جملة العقوبات التي تلحقهم على ظلمهم.
ويقال خرابُ منازلِ الظَّلَمَةِ ربما يتأخر وربما يتعجل. وخرابُ نفوسهم في تعطلها عن العبادات لِشُؤْم ظُلْمِهم، وخرابُ قلوبهم باستيلاء الغفلة عليهم خصوصاً في أوقات صلواتهم وأوان خلواتهم ... نقدٌ غير مستأخر.
قوله جلّ ذكره: {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} .
الإشارة في {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ} : إلى العيون المتفجرة التي كانت في بواطنهم، وكانوا يستقون منها، وفي ذلك الاستقاء حياةٌ أوقاتِهم من غلبات الإرادة وقوة المواجيد، فإِذا اتصفوا بظلمهم غَلَبَ غُثاؤها وانقطع ماؤها بانسداد عيونها.
والإشارة في {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} إلى تعطيل أسرارهم عن ساكنيها من الهيبة والأُنس، وخُلُوِّ أرواحهم من أنوار المحابِّ، وسلطان الاشتياق، وصنوف المواجيد.
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)
كانت لهم مقلوبٌ من حيث الخلقة، فلما زايلتها صفاتُها المحمودةُ صارت كأنها لم تكن في الحقيقة. ثم إنه أخبر أن العمى عمى القلب وكذلك الصم. وإذا صَحَّ وصفُ القلبِ بالسمع والبصر صَحَّ وصفُه بسائر صفات الحيِّ من وجوه الإدراكات؛ فكما تبصر القلوبُ بنور اليقين يُدْرَكُ نسيمُ الإقبال بِمَشَامِّ السِّرِّ، وفي الخبر: