نصر الله تعالى وقدرته العليا، وعلمه
قال الله تعالى:
(ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ(60)
الإشارة إلى البعيد، من قوله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا. . .) إلى آخر ما جاء بعد ذلك من جزاء أهل الحق في الدنيا والآخرة، وجزاء أهل الباطل في الدنيا والآخرة ذكر اللَّه سبحانه وتعالى أن من يرد الاعتداء بمثله، (ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْه) ، أي إذا بُغي عليه بعد ذلك (لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ) .
وسمى سبحانه رد الاعتداء عقابا للجاني، وذلك حق؛ لأنه أوذي فيعاقب المؤذي بمقدار، ولكن سمى الاعتداء عقابا وذلك من قبيل المشاكلة اللفظية، وليتم القصاص بين الجاني والمجني عليه بالتساوي، وإن اللَّه يذكر أنه بعد العقاب برد الاعتداء بمثله، لَا يصح للمعتدي أن يعاود اعتداءه؛ لأن ذلك يكون بغيا وظلما، ولذا قال تعالى: (ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ) ، وكان التعبير بـ (ثُمَّ) للإشارة إلى بعد ما بين مرتبة القصاص العادل والبغي الظالم، وإن الله تعالى ينصر العادل على الباغي.
(لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ) الضمير يعود إلى من بُغي عليه، وقد أكد اللَّه تعالى نصره للمعاقب المقتص، بالقسم و"لام"القسم، وبـ"نون"التوكيد الثقيلة كما يعبر النحويون.
وختم الله تعالى الآية الكريمة بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّه لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) العَفُوُّ"فعول"من العفو، أي أنه سبحانه وتعالى كثير العفو، وهو صفة من صفاته جل وعلا، أو اسم من أسمائه، فهو يعفو عن كل تقصير، وكل مخالفة ليست ذنبا، وهو غفور يغفرها إذا كانت مما لم يأثم بالنفس، ويكسبها إعتاما وإظلاما، بل يكون بجواره حسنات تكشف ظلمتها، وتكون مع ذلك توبة نصوح تَجُبّ السيئات.