فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 305740 من 466147

ومن لطائف ونكات تفسير الطوفي:

سورة المؤمنون

{ثم إنكم بعد ذلك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة تبعثون}

وهنا سؤال اشتهر لكثرة دورانه بين كثير من الناس، وتقريره: ما وجه تأكيد الإخبار بالموت، باللام، دون الإخبار بالبعث في قوله تعالى: {ثم إنكم بعد ذلك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة تبعثون}

وقد كان العكس أولى وأنسب؟ إذ البعث مختلف فيه، وهو أحوج إلى التأكيد، بخلاف الموت، فإنه لمشاهدته وتحققه عند كل أحد مستغن عن التأكيد، ولقد سئلت عن هذا مرارًا فلم يخطر لي ما يكافئه، ولم أسمع ممن سئل عنه أيضًا له جوابًا مكافئًا، غير أجوبة لفظية لا طائل تحتها.

وأصل هذا السؤال فيما نقلت عن كثير من الزنادقة الطاعنين في القرآن، ثم بعد النظر والتأمل خطر لي جوابان: معنوي ولفظي.

أما الأول: المعنوي، فتقريره: أن المكلفين لم يسمعوا هذا الكلام ولا غيره من القرآن من الله تعالى، ولا من جبريل عليه السلام، وإنما سمعوه من الرسول صلى الله عليه وسلم، وحينئذ نقول: إن إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام المتضمن لوقوع البعث، إما أن يكون لمن قد آمن به وصدقه في أنه رسول معصوم، أو لمن كذبه في ذلك، ولم يصدقه، فإن كان إخباره بذلك لمن صدقه، كأبي بكر مثلاً، لم يحتج في تصديقه بالبعث إلى التأكيد باللام ولا غيرها.

وإن كان لمن كذبه كأبي جهل مثلاً، فإنه لا يصدق بالبعث، ولو أكد بجميع أدوات التأكيد، وحينئذ لا يظهر لتأكده أثر طردًا ولا عكسًا، إثباتًا ولا نفيًا، فالسؤال إذن ساقط من أصله، أو غير وارد.

فإن قلت: لا نسلم الحصر فيما ذكرت، لجواز أن يخبر بذلك من ليس مصدقًا له ولا مكذبًا، بل هو في مهلة النظر والتروي في أمره: هل هو صادق، أو لا؟، وحينئذ كان ينبغي تأكد البعث، ليكون أدعى لهذا الشخص إلى التصديق والانقياد.

فالجواب من وجهين:

أحدهما: أن هذا الإخبار إنما كان بعد ثبوت النبوة بظهور المعجز، وحينئذ لا يتصور وجود هذا القسم، إذ بعد ظهور المعجز لا يتخلف عن التصديق بالنبوة إلا مكذب معاند، فثبت الحصر فيما ذكر.

الثاني: سلمنا وجود هذا القسم، لكن مستند ثبوت النبوة ليس حصول العلم بالبعث، بل مستندها حصول المعجز، فيترتب عليه ثبوت النبوة، ثم يترتب على ثبوتها وجوب التصديق بسائر الإخبارات، فإذا كان هذا الشخص في مهلة النظر ينبغي أن ينظر في المعجز الذي هو مستند النبوة، لا في وقوع البعث الذي يكون التصديق به فرعًا من فروعها.

وأما الثاني: وهو اللفظي، فتقريره: أن قوله: (تبعثون) فعل، ودلالة الفعل على المصدر بنفسه فهي قوية، ويستغنى بقوتها وتأكيدها في نفسها عن تأكيد خارجي.

بخلاف قوله: (ميتون) فإنه اسم فاعل، ودلالته على المصدر لا بنفسه، بل بواسطة دلالته على الفعل، فهي ضعيفة، فاحتاجت إلى مؤكد لضعفها، وقد سبق أن اعتدال العبارة والمعنى من أهم المقاصد البلاغية. وما ذكرناه محصل له، فوجب إضافة هذا التخصيص إليه، فحصل مما أجبنا به أن السؤال المذكور ساقط من حيث النظر المعنوي، وجوابه من حيث النظر اللفظي ما ذكرناه، والله أعلم. انتهى انتهى {الإكسير في علم التفسير} ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت