قَوْله تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ: (رَبْوَةٍ) فِيهَا خَمْسُ لُغَاتٍ: كَسْرُ الرَّاءِ، وَفَتْحُهَا، وَضَمُّهَا، ثَلَاثُ لُغَاتٍ، وَيُقَالُ رِبَاوَةٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا، وَلَمْ أُقَيِّدْ غَيْرَهُ فِيمَا وَجَدْته الْآنَ عِنْدِي.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي تَعْيِينِ هَذِهِ الرَّبْوَةِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا الرَّمْلَةُ؛ وَهِيَ فِلَسْطِينُ؛ قَالَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ.
الثَّانِي: قَالَ قَتَادَةُ: هِيَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ أَقْرَبُ الْأَرْضِ إلَى السَّمَاءِ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا.
الثَّالِثُ: أَنَّهَا دِمَشْقُ؛ قَالَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ.
الرَّابِعُ: أَنَّهَا مِصْرُ قَالَهُ ابْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ.
وَلَيْسَ الرُّبَا إلَّا بِمِصْرَ، وَالْمَاءُ يُرْسَلُ فَيَكُونُ الرُّبَا عَلَيْهَا الْقُرَى، وَلَوْلَا ذَلِكَ غَرِقَتْ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ الْمُرْتَفِعُ مِنْ الْأَرْضِ؛ قَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ.
السَّادِسُ: أَنَّهَا الْمَكَانُ الْمُسْتَوِي؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذِهِ الْأَقْوَالُ مِنْهَا مَا تُفَسَّرُ لُغَةً، وَمِنْهَا مَا تُفَسَّرُ نَقْلًا؛ فَأَمَّا الَّتِي تُفَسَّرُ لُغَةً فَكُلُّ أَحَدٍ يَشْتَرِكُ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا مُشْتَرَكَةُ الْمَدْرَكِ بَيْنَ الْخَلْقِ.