{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) }
"حتى"هي الابتدائية دخلت على الجملة الشرطية، وهي مع ذلك غاية لما قبلها متعلقة بقوله: {لكاذبون} وقيل: ب {يصفون} والمراد بمجيء الموت: مجيء علاماته {قَالَ رَبّ ارجعون} أي قال ذلك الواحد الذي حضره الموت تحسراً وتحزناً على ما فرط منه: رب ارجعون، أي ردوني إلى الدنيا، وإنما قال: ارجعون بضمير الجماعة لتعظيم المخاطب.
وقيل: هو على معنى تكرير الفعل، أي ارجعني ارجعني ارجعني، ومثله قوله: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} [ق: 24] .
قال المازني: معناه ألق ألق، وهكذا قيل في قول امرئ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... ومنه قول الحجاج: يا حرسي اضربا عنقه.
ومنه قول الشاعر:
ولو شئت حرمت النساء سواكم ... وقول الآخر:
ألا فارحموني يا إله محمد ... وقيل: إنهم لما استغاثوا بالله قال قائلهم: ربّ، ثم رجع إلى مخاطبة الملائكة فقال: {ارجعون * لَعَلّي أَعْمَلُ صالحا} أي: أعمل عملاً صالحاً في الدنيا إذا رجعت إليها من الإيمان وما يتبعه من أعمال الخير، ولما تمنى أن يرجع ليعمل ردّ الله عليه ذلك بقوله: {كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} فجاء بكلمة الردع والزجر، والضمير في: {إنها} يرجع إلى قوله: {رَبّ ارجعون} أي إن هذه الكلمة هو قائلها لا محالة، وليس الأمر على ما يظنه من أنه يجاب إلى الرجوع إلى الدنيا، أو المعنى: أنه لو أجيب إلى ذلك لما حصل منه الوفاء، كما في قوله: {وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} [الأنعام: 28] .
وقيل: إن الضمير في: {قائلها} يرجع إلى الله، أي لا خلف في خبره، وقد أخبرنا بأنه لا يؤخر نفساً إذا جاء أجلها {وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ} أي من أمامهم وبين أيديهم.
والبرزخ هو: الحاجز بين الشيئين.
قاله الجوهري.