قَولُهُ تَعَالَى {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}
أَيْ لِغَيْرِ شَيْءٍ، لَا تُؤْمَرُونَ وَلَا تُنْهَوْنَ، وَلَا تُثَابُونَ وَلَا تُعَاقَبُونَ، وَالْعَبَثُ قَبِيحٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قُبْحَ هَذَا مُسْتَقِرٌّ فِي الْفِطَرِ وَالْعُقُولِ، وَلِذَلِكَ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ إِنْكَارَ مُنَبِّهٍ لَهُمْ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى عُقُولِهِمْ وَفِطَرِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَوْ فَكَّرُوا وَأَبْصَرُوا لَعَلِمُوا أَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِهِ، وَلَا يَحْسُنُ مِنْهُ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ عَبَثًا، لَا لِأَمْرٍ وَلَا لِنَهْيٍ، وَلَا لِثَوَابٍ وَلَا لِعِقَابٍ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُسْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْجَزَاءِ مُسْتَقِرٌّ فِي الْعُقُولِ وَالْفِطَرِ، وَأَنَّ مَنْ جَوَّزَ عَلَى اللَّهِ الْإِخْلَالَ بِهِ فَقَدْ نَسَبَهُ إِلَى مَا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَإِلَى مَا تَأْبَاهُ أَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى وَصِفَاتُهُ الْعُلْيَا.
(فصل)
اعلم أنه لولا التكليف لكان خلق الإنسان عبثا وسدى والله يتعالى عن ذلك وقد نزه نفسه عنه كما نزه نفسه عن العيوب والنقائص قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} وقال: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً}
قال الشافعي لا يؤمر ولا ينهى ومعلوم أن ترك الإنسان كالبهائم مهملا معطلا مضاد للحكمة فإنه خلق لغاية كماله وكماله أن يكون عارفا بربه محبا له قائما بعبوديته قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}
وقال: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً}
وقال: {ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
فهذه المعرفة وهذه العبودية هما غاية الخلق والأمر وهما أعظم كمال الإنسان والله تعالى من عنايته به ورحمته له عرضه لهذا الكمال وهيأ له أسبابه الظاهرة والباطنة ومكنه منها.
ومدار التكليف على الإسلام والإيمان والإحسان، وهي ترجع إلى شكر المنعم كلها دقيقها وجليلها منه، وتعظيمه وإجلاله ومعاملته بما يليق أن يعامل به.