{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ}
هذا رجوع إلى غرض الاستدلال على انفراد الله تعالى بصفات الإلهية والامتنان بما منح الناس من نعمة لعلهم يشكرون بتخصيصه بالعبادة، وذلك قد انتقل عنه من قوله {وعليها وعلى الفلك تحملون} [المؤمنون: 22] فانتقل إلى الاعتبار بآية فُلك نوح عليه السلام فأتبع بالاعتبار بقصص أقوام الرسل عقب قوله تعالى: {وعليها وعلى الفلك تحملون} [المؤمنون: 22] فالجملة إما معطوفة على جملة {وإن لكم في الأنعام لعبرة} [المؤمنون: 21] والغرض واحد وما بينهما انتقالات.
وإما مستأنفة رجوعاً إلى غرض الاستدلال والامتنان وقد تقدمت الإشارة إلى هذا عند قوله تعالى: {ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه} [المؤمنون: 23] .
وفي هذا الانتقال من أسلوب إلى أسلوب ثم الرجوع إلى الغرض تجديد لنشاط الذهن وتحريك للإصغاء إلى الكلام وهو من أساليب كلام العرب في خطبهم وطوالهم.
وسماه السكاكي: قرى الأرواح.
وجعله من آثار كرم العرب.
وقوله: {وهو الذي أنشأ لكم السمع} تذكير بوحدانية الله تعالى.
والأظهر أن يكون ضمير الجلالة مسنداً واسم الموصول مسنداً إليه لأنهم علموا أن منشئاً أنشأ لهم السمع والأبصار، فصاحب الصلة هو الأولى بأن يعتبر مسنداً إليه وهم لما عبدوا غيره نزلوا منزلة من جهل أنه الذي أنشأ لهم السمع فأتى لهم بكلام مفيد لقصر القلب أو الإفراد، أي الله الذي أنشأ ذلك دون أصنامكم.
والخطاب للمشركين على طريقة الالتفات، أو لجميع الناس، أو للمسلمين، والمقصود منه التعريض بالمشركين.
والإنشاء: الإحداث، أي الإيجاد.
وجمع الأبصار والأفئدة باعتبار تعدد أصحابها.
وأما إفراد السمع فجرى على الأصل في إفراد المصدر لأن أصل السمع أنه مصدر.