قال - عليه الرحمة:
{وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) }
الإشارات منه أنَّ الكدوراتِ الهاجمةَ لا عِبْرَةَ بها ولا مبالاة؛ فإنَّ اللَّبنَ الخالصَ السائغَ يخرجُ من أخلاف الأنعام من بين ما تنطوي حواياها عليه من الوحشة، لكنه صافٍ لم يؤثر فيه منها بحُكم الجِوار، وكذلك الصفاءُ يوجد أكثره من عين الكدورة؛ إذ الحقيقة لا يتعلق بها حقٌّ ولا باطل. ومَنْ أشرفَ على سِرِّ التوحيد تحقَّقَ بأنَّ ظهور جميع الحدثان من التقدير، فتسقط عنه كلفة التمييز، فالأسرار عند ذلك تصفو، والوقت لصاحبه لا يجفو.
{وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} : لازمةٌ لكم، ومتعدية منكم كلِّ متصلٍ بكم:
إنِّي - على جَفَواتِها - بربِّها ... وبكلِّ متَّصِل بها مُتَوَسِّلُ
وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22)
يحفظهم في الفينة في بجار القطْرة، ويحفظهم في سفينة السلامة والعصمة في بحار القُدْرة، وإنَّ بحارَ القدرة تتلاطم أمواجها، والناسُ فيها غَرْقَى إلا مَنْ يحفظه الحقُّ - سبحانه - في سفينةُ العناية.
وصفةُ أهل الفُلكِ إذا مستْهم شِدَّة خوفِ الغَرَقِ ما ذكَر الله في قوله: {فَإِذَا رَكِبُوا فِى الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [العنكبوت: 65] كذلك مَنْ شاهدَ نفسه على شَفَا الهلاكِ والغرقِ، والتجأ إلى صِدْق الاستعانة ودوام الاستغاثة فعند ذلك يحميه الحقُّ - سبحانه - من مخلوقات التقدير. ويقال إنَّ وَجهَ الأرضِ بحارُ الغفلة، وما عليه الناسُ من أسباب التفرقة بحارٌ مهلكةٌ والناس فيها غرقى. وكما قال بعضهم:
الناسُ بحرٌ عميقٌ ... والبعدُ عنهم سفينة
وقد نصحتُك فانظر ... لِنْفسِكَ المسكينهْ. انتهى انتهى. {لطائف الإشارات حـ 2 صـ 573 - 574}