(إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ(57)
الخشية خوف يشوبه تعظيم، والإشفاق خوف تشوبه محبة، وكذلك شأن المؤمن فهو يخاف اللَّه ويعظمه، ويحبه، فهو يحب اللَّه تعالى، ويحبه اللَّه تعالى، وهو يعظم اللَّه تعالى، ويخاف عذابه، فهو يستكثر أخطاءه، ويخاف العقاب، ولذلك كان من شأن أهل الإيمان أن يغلب في نفوسهم خوف العقاب على رجاء الثواب، وقد أكد سبحانه خشية المؤمنين وإشفاقهم بمؤكدات:
أولها - (إِنَّ) فهي لتوكيد الكلام.
وثانيها - ضمير الفصل (هُم) .
وثالثها - تقديم الخشية على متعلقها.
ورابعها - التعبير بربهم، أي القائم على أمورهم وكالئهم، وحاميهم.
هذا هو الوصف الأول من أوصاف أهل الإيمان الذين يستحقون الثواب، ولهم الغرفات الآمنة عند ربهم.
وذُكر أولا - لأنه يتضمن إذعان القلب، وامتلاء النفس بهيبته سبحانه، فيكون قريبا منه، يفطن لآياته، ولذا قال سبحانه في الوصف الثاني:
(وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ(58)
إنهم لخشيتهم من ربهم، وإشفاقهم، ومحبتهم لربهم تصفو نفوسهم، وتذهب الكدرة من أفهامهم، فإذا رأوا الآيات توجهوا إليها بقلب سليم مشرق، قذف به نور الإخلاص، والواو عاطفة تعطف صفة على صفة؛ ولذا قال تعالى: (وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنون) يصدقون موجب هذه الآيات، وما تدعو إليه؛ ذلك أن الإخلاص إذا دخل القلب ملأه بنور الحكمة، فأدرك به، ولم تقف حوائل دون الإدراك فيكون الإدراك سليمًا، ولا ينطق اللسان إلا بالحق، ولقد تأكد الحكم بما تأكد به الوصف الأول، والتعبير بالمضارع يفيد تجدد الإيمان بتجدد الآيات، فكلما كانت آية من آيات اللَّه وهي كثيرة زادت المؤمن إيمانا، فإيمانهم متجدد في نماء، ويزيد بزيادة الآيات، وقال سبحانه في الوصف الثالث:
(وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ(59)