فائدة
قال صاحب روح البيان:
وفي"التأويلات النجمية": {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} بلا معنى ينفعكم أو يضركم حتى عشتم كما يعيش البهائم فما تقربتم إلينا بالأعمال الصالحات للتقرب وحسبتم {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} باللطف والقهر.
فالرجوع باللطف بأن يموت بالموت الاختياري قبل الموت الاضطراري وهو بأن ترجعوا من أسفل سافلين الطبيعة على قدمي الشريعة والطريقة إلى أعلى عليين عالم الحقيقة.
والرجوع بالقهر بأن ترجعوا بعد الموت الاضطراري فتقادون إلى النار بسلاسل تعلقاتكم بشهوات الدنيا وزينتها وأغلال صفاتكم الذميمة.
وعن بهلول قال: كنت يوماً في بعض شوارع البصرة فإذا بصبيان يلعبون بالجوز واللوز وإذا أنا بصبي ينظر إليهم ويبكي فقلت: هذا صبي يتحسر على ما في أيدي الصبيان ولا شيء معه فيلعب به فقلت أي بني ما يبكيك أشتري لك من الجوز واللوز ما تلعب به مع الصبيان فرفع بصره إليّ وقال: يا قليل العقل ما للعب خلقنا فقلت: أي بني فلماذا خلقنا فقال: للعلم والعبادة فقلت من أين لك ذلك بارك الله فيك قال: من قول الله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} قلت له: بني أراك حكيماً فعظني وأوجز فأنشأ يقول:
أرى الدنيا تجهز بانطلاق ... مشمرة على قدم وساق
فلا الدنيا بباقية لحي ... ولا حي على الدنيا بباق
كأن الموت والحدثان فيها ... إلى نفس الفتى فرسا سباق
فيا مغرور بالدنيا رويداً ... ومنها خذ لنفسك بالوثاق
ثم رمق السماء بعينيه وأشار إليها بكفيه ودموعه تنحدر على خديه وهو يقول:
يا من إليه المبتهل ... يا من عليه المتكل
يا من إذا ما آمل ... يرجوه لم يخط الأمل
قال: فلما أتم كلامه خر مغشياً عليه فرفعت رأسه إلى حجري ونفضت التراب عن وجهه بكمي فلما أفاق قلت: له أي بني ما نزل بك وأنت صبي صغير لم يكتب عليك ذنب قال إليك عني