قيل إن بين كل خلق وخلق أربعين يوماً {ثم أنشأناه خلقاً آخر} أي مبايناً للخلق الأول قال ابن عباس: هو نفخ الروح فيه وقيل جعله حيواناً بعد ما كان جماداً وناطقاً بعدما كان أبكم وسميعاً وكان أصم وبصيراً وكان أكمه وأودع باطنه وظاهره عجائب صنعه وغرائب فطره وعن ابن عباس قال: إن ذلك تصريف أحواله بعد الولادة من الاستهلال إلى الرضاع إلى القعود والقيام إلى المشي إلى الفطام إلى أن يأكل ويشرب إلى أن يبلغ الحلم ويتقلب في البلاد إلى ما بعدها {فتبارك الله} أي استحق التعظيم والثناء بأنه لم يزل ولا يزال {أحسن الخالقين} أي المصورين والمقدرين.
فإن قلت كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى {الله خالق كل شيء} وقوله {هل من خالق غير الله؟} قلت الخلق له معان: منها الإيجاد والإبداع ولا موجد ولا مبدع إلاّ الله تعالى.
ومنها التقدير كما قال الشاعر:
ولأنت تفري ماخلقت وبع ...
ض القوم يخلق ثم لا يفري
معناه أنت تقدّر الأمور وتقطعها وغيرك لا يفعل ذلك فعلى هذا يكون معنى الآية الله أحسن المقدرين.
وجواب آخر وهو أنّ عيسى خلق طيراً وسمّى نفسه خالقاً بقوله {إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير} فقال {تبارك الله أحسن الخالقين} {ثم إنكم بعد ذلك} أي بعد ما ذكر من تمام الخلق {لميتون} أي عند انقضاء آجالكم {ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} أي للحساب والجزاء.
قوله عزّ وجلّ {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق} يعني سبع سموات طرائق لأن بعضها فوق بعض وقيل لأنها طرائق الملائكة في الصعود والهبوط {وما كنا عن الخلق غافلين} يعني بل كنا لهم حافظين من أن تسقط السماء عليهم فتهلكهم.
وقيل معناه بنينا فوقهم سماء أطلعنا فيها الشمس والقمر والكواكب.
وقيل ما تركناهم سدى بغير أمر ونهي وقيل معناه إنما خلقنا السماء فوقهم لتنزل عليهم الأرزاق والبركات منها.