(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
وَقَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ يَغْتَنِمُونَ الْعُمْرَ فَيَسْرُدُونَ الصَّوْمَ وَلا يُفْطِرُونَ إِلا الأَيَّامَ الْمُحَرَّمَةَ.
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَسْرُدُ الصَّوْمَ، وَسَرَدَهُ أَبُو طَلْحَةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَأَبُو أُمَامَةَ. وَسَرَدَتْهُ عَائِشَةُ وَعُرْوَةُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ.
قَالَ نَافِعٌ: خَرَجْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي بَعْضِ نَوَاحِي الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ أَصْحَابٌ لَهُ فَوَضَعُوا سُفْرَةً لَهُمْ فَمَرَّ بِهِمْ رَاعٍ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: هَلُمَّ يَا رَاعِي فَأَصِبْ مِنْ هَذِهِ السُّفْرَةِ فَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ الشَّدِيدِ حَرُّهُ وَأَنْتَ بَيْنَ هَذِهِ الشِّعَابِ فِي آثَارِ هَذِهِ الْغَنَمِ وَبَيْنَ هَذِهِ الْجِبَالِ تَرْعَى هَذِهِ الْغَنَمَ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟! فَقَالَ الرَّاعِي: أُبَادِرُ أَيَّامِيَ الْخَالِيَةَ. فَعَجِبَ ابْنُ عُمَرَ وَقَالَ: هَلْ لَكَ أَنْ تَبِيعَنَا شَاةً مِنْ غَنَمِكَ نَجْتَرِزُهَا نُطْعِمُكَ مِنْ لَحْمِهَا مَا تُفْطِرُ عَلَيْهِ وَنُعْطِيكَ ثَمَنَهَا؟ قَالَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ لِي إِنَّهَا لِمَوْلايَ. قَالَ: فَمَا عَسَيْتَ أَنْ يَقُولَ لَكَ مَوْلاكَ إِنْ قُلْتَ: أَكَلَهَا الذِّئْبُ؟ فَمَضَى الرَّاعِي وَهُوَ رَافِعٌ إِصْبَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ يَقُولُ: فَأَيْنَ اللَّهُ؟.
قَالَ: فَلَمْ يَزَلِ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ الرَّاعِي: فَأَيْنَ اللَّهُ! فَمَا عَدَا أَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَبَعَثَ إِلَى سَيِّدِهِ فَاشْتَرَى مِنْهُ الرَّاعِيَ وَالْغَنَمَ فَأَعْتَقَ الرَّاعِيَ وَوَهَبَ لَهُ الْغَنَمَ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَبْكِي عِنْدَ الْمَوْتِ فَقِيلَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَبْكِي عَلَى يَوْمٍ مَا صُمْتُهُ وَلَيْلَةٍ مَا قُمْتُهَا!
فَاغْتَنِمُوا إِخْوَانِي زَمَنَكُمْ، وَبَادِرُوا بِالصِّحَّةِ سَقَمَكُمْ، وَاحْفَظُوا أَمَانَةَ التَّكْلِيفِ لِمَنْ أَمِنَكُمْ، وَكَأَنَّكُمْ بِالْحَمِيمِ وَقَدْ دَفَنَكُمْ، وَبِالْعَمَلِ فِي الْقَبْرِ قَدِ ارْتَهَنَكُمْ.
وأنشدوا:
(أَلَمْ يَأْنِ تَرْكِي مَا عَلَيَّ وَلا لِيَا ... وَعَزْمِي عَلَى مَا فِيهِ إِصْلاحٌ حَالِيَا)