قال - عليه الرحمة:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) }
الركوعُ والسجودُ والعبادةُ كُلُّها بمعنى الصلاة؛ لأنَّ الصلاةَ تشتمل على هذه الأفعال جميعها، ولكنْ فَرْقَها في الذكر مراعاةً لقلبِكَ من الخوف عند الأمر بالصلاة؛ فَقَسَّمها ليكونَ مع كلِّ لفظٍ ومعنى نوعٌ من التخفيف والترفيه، ولقلوبِ أهل المعرفةِ في كل لفظةٍ راحة جديدة.
ويقال لَوَّنَ عليهم العبادةَ، وأَمَرَهم بها، ثم جميعُها عبادةٌ واحدةٌ، ووَعَدَ عليها من الثوابِ الكثيرِ ما تقْصُرُ عن عِلْمه البصائر.
ويقال عَلِمَ أَنَّ الأحبابَ يُحِبُّون سماعَ كلامِه فَطَّولَ عليهم القولَ إلى آخر الآية؛ ليزدادوا عند سماع ذلك أُنَسَاً على أُنسٍ، ورَوْحَاً على روْح، ومُعَادُ خطابِ الأحبابِ وهو رَوْحُ رُوحهم وكمالُ راحتهم.
ثم قال بعد هذا: {وَافْعَلُوا الخَيْرَ} فأدخل فيه جميعَ أنواع القُرَبِ.
وقوله جلّ ذكره: {وَجَاهِدُوا فِى اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} .
{حَقَّ جِهَادِهِ} : حق الجهاد ما وافق الأمر في القَدْرِ والوقتِ والنوع، فإذا حَصَلَتْ في شيءٍ منه مخالفةٌ فليس حَقَّ جهاده.
ويقال المجاهدة على أقسام: مجاهدةٌ بالنَّفْسِ، ومجاهدةٌ بالقلبِ، ومجاهدةٌ بالمال. فالمجاهدةُ بالنفس ألا يَدَّخِرَ العبدُ ميسوراً إلا بَذَلَه في الطاعة بتحمل المشاق، ولا يطلب الرخص والإرفاق. والمجاهدةُ بالقلب صَوْنُه عن الخواطرِ الرديئةِ مثل الغفلة، والعزمُ على المخالفات، وتذكرُ ما سَلَفَ أيام الفترة والبطالات. والمجاهدة بالمال بالبذل والسخاء ثم بالجود والإيثار.
ويقال حق الجهاد الأخذ بالأشق، وتقديم الأشق على الأسهل - وإنْ كان في الأَخَفِّ أيضاً حق.
ويقال حق الجهاد ألا يَفْتُرَ العبدُ عن مجاهدةِ النَّفْس لحظةً، قال قائلُهم: