الذكر والثبات على المعرفة، ألا ترى أن الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه - هو
القريب الحق لا أقرب منه، والشهيد الحق الذي هو أقرب إلى العبيد من حبل
الوريد، بل هو أقرب إلى المخلوق من نفسه وأحق به من ذاته، ولما كان هذا القرب
دون أفول في حقه ولا عدم من جهته أوجب ذلك البلدة وقلة التذكرة، وأعقب ذلك
الجهل به والنسيان له، فكان من لطفه في حسن تدبيره أن أوجد الأضداد في
الوجود بتعاقب، وقدر بالأغيار في ذواتها بتناوب، وجعل ذلك على مقادير
مقدرة وأوزان من الحكمة مقسمة؛ ليجدد لعباده بذلك التذكار، ويبعثهم على تعرف
العلم به والاعتبار، وإن الله (سميع) لدعاء الذين بُغي عليهم بغير حق، إلا أن
يقولوا: ربنا الله (بصير) بأعمال الباغين ثم العاملين بطاعته هذا على انتظامه بالأقرب.
وأمَّا بالقول بحكم العموم، فإنه منتظم أيضًا بما تقدم ذكره من سجود
الموجودات، ألا ترى كيف أعقب ذلك قول الحق: (ذَلِكَ) أي: من إيلاجه الليل
في النهار والنهار في الليل، وإدالة هذا على هذا وهذا على هذا، فإن(اللَّهَ هُوَ
الْحَقُّ)واحد أحد كما تقدم، له الليل والنهار، والنور والظلمات، والخير والشر،
والمحبوب والمكروه، والأضداد والأغيار، وأن ما تدعون من دونه هو الباطل، وأن
كل ما يعبدونه من إله باطل، و (اللَّه هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) .
ألا تسمعه كيف أعقب ذلك قوله الحق: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ
وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64) . من له ما في السَّمَاوَات وما في الأرض
فهو الغني الحميد على التحقيق، وبهذا المعنى هر راجع إلى ما تقدم من قوله:(أَلَمْ
تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ...).
(فصل)
وجوده العلي مكانته من وجود الموجودات الرحمانية والربوبية والعظمة
والكبرياء والجبروت والجلال، هكذا إلى انتهاء مقتضى الأسماء كما منزلته من
وجود الموجودات من وجوده العلي العبودية في حق المخلوقين له، والخشوع