[من روائع الأبحاث]
(فصل: من الأسرار البلاغية في السورة الكريمة)
قال أبو هلال العسكري:
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) }
وأجود التشبيه وأبلغه ما يقع على أربعة أوجه:
أحدها: إخراج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما يقع عليه وهو قول الله عزّ وجل: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً} .
فأخرج ما لا يحسّ إلى ما يحسّ والمعنى الذي يجمعهما بطلان المتوهم مع شدّة الحاجة وعظم الفاقة، ولو قال: يحسبه الرأي ماء لم يقع موقع قوله: «الظمآن» لأنّ الظمآن أشدّ فاقة إليه، وأعظم حرصا عليه.
(فائدة)
وقوله تعالى: {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً} ، لو قال يحسبه الرائى لكان جيدا ولكن لما أراد المبالغة ذكر الظمآن لأن حاجته إلى الماء أشد، وهو على الماء أحرص وقد ذكرناه قبل. ومثل ذلك قول دريد بن الصّمة:
متى ما تدع قومك أدع قومى ... وحولى من بنى جشم فئام
فوارس بهمة حشد إذا ما ... بدا حضر الحيّية والحذام
فالمبالغة الشديدة في قوله: «الحيية» . انتهى انتهى {الصناعتين لأبي هلال العسكري} ...